بقلم: الدكتور حسن ميّ النوراني – مؤسس دعوة النورانية
لا يوجد صاحب قلب أبيض واحد، في المعمورة كلها، لا يريد للأشقاء الفلسطينيين أن يستعيدوا لحمتهم التي فقدوها، فقدا حاسما، باستيلاء حركة حماس على مقاليد الأمور في قطاع غزة، في منتصف حزيران/ يونيو من العام المنصرم (2007م)..
وكل صاحب قلب أبيض، في المعمورة كلها، يؤمن بقدسية الإخوة الإنسانية كقاعدة صالحة لبناء علاقات توفر المناخ الأفضل لتأسيس جبهة تناضل من أجل العدل والحرية للناس أجمعين.. وحدهم.. أعداء العدل والحرية.. هم الذين يقاتلون وحدة الأشقاء الفلسطينيين التي يهددها استمرار انقسامهم تحت مسميين، هما في حقيقتيهما التاريخيتين، إطاران، ابتدعتهما التجربة النضالية الفلسطينية، والتي من حقها، ووفقا لقانون النضال، أن تبتدع المتنوعات.. ولكن، ليس من حقها، أن تسمح للتنوع النضالي، أن ينقلب على طبيعته التكوينية، فيصير تشريعا للصراع بين أشقاء لهم قضية عادلة واحدة، يركبون سفينة واحدة، تواجه الأنواء والأمواج العاتية، في عالم لا تحكمه أخلاق ولا قوانين إنسانية تضمن حق كل إنسان في الكرامة المبنية على مبادئ العدل والحرية للناس أجمعين..
ارتكب الفلسطينيون، كل الفلسطينيين، بالمشاركة الفاعلة، أو المشاركة السلبية، خطيئة السقوط في حالة انقسام عدائي بين القوتين السياسيتين الرئيستين، حركتي حماس وفتح.. وهو سقوط لا يجوز الوقوف عند مستوى حصوله، وتجاهل الأسباب التي أدت إليه.. كما لا يجوز كذلك، تجاهل الدوافع التكوينية للطرفين، المعبر عنها في برنامجين سياسيين يلتقيان في مساحة أضيق من المساحة التي يشغلها اختلافاهما.. ولا يجوز أيضا، تجاهل الدوافع الخاصة، التي لا يقوى الناس على إخفائها، في واقع الحال، وإن كان الناس في العادة والطبع، يستطيعون تغليفها بالأكاذيب فيمضغون أكاذيبهم.. أو بالأوهام.. فيجترون أوهامهم!
وإذا كان لا يوجد صاحب قلب أبيض واحد، في المعمورة كلها، لا يريد للفلسطينيين، أن ينهضوا من سقوطهم في خطيئة الانقسام العدائي بين أقوى حركتين نضاليتين فلسطينيتين.. فإنه كذلك لا يوجد، صاحب عقل واع حر نشط، تنطلي عليه الأكاذيب والأوهام.. فينساق وراء من يمضغون الأكاذيب، ومن يبيعون الأوهام.. فيصدق أن الحركتين الرئيستين الفلسطينيتين، المستبدتين بالشأن الفلسطيني، تملكان المؤهلات الحقيقية للنهوض من سقوط انحدرا إليه، بفعل الطبيعة التكوينية لكل منهما، وبفعل المصالح الخاصة، التي لا تغيب بالمرة، من أفق العمل السياسي، كما لا تغيب بالمرة، من أفق كل فاعلية إنسانية ضيقة، ومحصورة في الدوافع الفردية، أو مغلولة بقيود الأيديولوجيا.. والساحة الفلسطينية، محكومة بقوتين سياسيتين، اجتماعيتين، تحتكران السيطرة، لكل منهما، حساباتها الخاصة، ومصالحها الضيقة الخاصة، التي لا تتسع لتطابق المصلحة الوطنية الواسعة، إلا إذا كان المجال مجال الكلام لا مجال الفعل.. وإذا كان المجال مجال المصالح الخاصة الوقتية لا مجال المصلحة الوطنية المترامية الأبعاد.. ونحسب أن المبادرة التي أطلقها رئيس السلطة الفلسطينية، المستبد بالشأن الفلسطيني في مساحة الضفة، والمحتكر لأقوات فئة من مواطني قطاع غزة، بالتحكم في مرتباتهم.. نحسبها شكلا صوريا كلاميا، يتجاوز تجاوزا كاذبا وهميا، مساحة المصالح الذاتية.. التي يقابلها، على الطرف الآخر، المصالح الذاتية، للمستبد بالشأن الفلسطيني في مساحة قطاع غزة، المحاصر من خارجه، بقوى لا تريد للشعب الفلسطيني، عدلا ولا حرية.. قطاع غزة.. المحاصر أيضا، من داخله، بقوة حكم، لا تتخلى عما انتزعته في منتصف حزيران/يونيو بالقوة، بعدما وقفت أما حقيقة واقعية، كانت توشك على أن تسلبها، مكتسباتها التي استحوذت عليها في الانتخابات التشريعية، المشهود لها بالنزاهة.. وبعض المستبدين بالشأن الفلسطيني، يجترون الأوهام ويمضغون الأكاذيب.. وهم يولولون وينتحبون ويصرخون، شاكين من حصار خارجي على مليون ونصف مواطن في قطاع غزة، يكابدون كل صنوف العذاب.. بينما الاعتراف بالحقيقة البسيطة، التي لا تحتاج لذكاء لاكتشافها.. تقرر بوضوح وجلاء وقوة، أن الحصار على غزة، له سبب يرتبط به، إذا تنحى، تنحى العذاب بصنوفه عن أطفال ونساء وشيوخ ومرضى وأناس لهم الحق في أن يحيوا في كنف العدل والحرية.. وفي كنف الحقائق لا تحت سطوة الأوهام ومضغ الأكاذيب.. إذا تنحت الأوهام والأكاذيب.. فلن يجرؤ راعي مشروعها المتربع على عرش مقاطعة رام الله، على أن يستغبي الناس فيطرح مبادرة للحوار بين مؤسسة رئاسة السلطة الفلسطينية، ومعها حركة فتح، من جهة، وبين حركة حماس، من جهة أخرى.. بغرض استعادة الوحدة الوطنية التي فشلت مبادرات أخرى شبيهة، باستلام أول طريق الحوار الجاد لا الكاذب ماضغ الأوهام.. فزاد الشقاق بين الإخوة إلى أن غدا سقوطا في خطيئة وطنية، ارتكبتها حركة فتح بفسادها التاريخي المديد، واندفعت إليها حركة حماس، بغريزة الدفاع عن المكتسبات، وعززتها بأوهام تروجها.. منها، أن سيطرتها على قطاع غزة، استكمال لتحرير أرض القطاع، الذي ابتدأ بسحب القوات والمستوطنات الإسرائيلية منه.. ولمّا اصتدمت الأوهام بالحقائق، أدرك الواهمون أنهم ضحايا حصار تفرضه الوقائع لا الأوهام.. فأدركوا أنهم في مأزق خانق، فشلت احدث مشاريع التهدئة مع العدو الصهيوني على إخراجهم منه.. فتلقفوا الدعوة التي أطلقها المأزوم المخنوق في رام الله.. الذي يعيش على أوهامه.. ويلقم الناس أكاذيب لا تصدقها الحقائق.. ومن الحقائق التي لم تتأخر عن البروز أمام ناظري عباس، ما عبرت عنه تصريحات رئيس وزراء إسرائيل الفورية على مبادرة حاكم رام الله الصوري، من قوله أن عباس يعرف جيدا موقفنا من حواره مع حماس.. هذا الموقف الذي عبر عنه متحدث باسم عباس عندما نقل عن الأخير أنه أكد لوزيرة الخارجية الأمريكية في الاتصال الفوري الذي أجرته معه، من أن الحوار مع حماس، الذي دعا إليه عباس، مشروط بالشروط السابقة، التي ظل عباس يشترطها على حركة حماس، وهي التراجع عن حسمها العسكري، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.. هل تقبل حركة حماس هذه الشروط؟ الطبيعتين التكوينيتين المعبر عنهما في البرنامجين السياسيين لكل من حركتي فتح وحماس، لن تسمح لحوار بينهما باختصار الافتراقات حول قضايا جوهرية، إلى درجة الصفر.. حركة فتح ممثلة في زعيمها عباس، مرهونة بسياسة رئيس وزراء حكومة رام الله سلام فياض، التي ترسمها له الأموال المتدفقة على خزينته من خلال بوابة الرضا الإسرائيلي.. ولن يجرؤ عباس على أن يمضي نحو إغلاق باب تدفق الأموال على خزينة سلطته.. هذا التدفق الذي يعرف الداني والقاصي أنه مشروط بانسلاخ عباس عن مشروع حركة حماس.. وحركة حماس، المرهونة بمحور "الزهار – مشعل" المتشدد المفتوح على محور "دمشق- طهران"، وأسيرة الحلم القديم للإخوان المسلمين، بإقامة دولتهم في أية بقعة من بقاع الأرض.. أسيرة مكتسبات السيطرة على قطاع غزة.. أسيرة الاعتقاد بأنها قدر الله ووكيله في الأرض، لتحقيق الوعد القرآني بتحرير فلسطين.. لن تنسلخ عن برنامجها السياسي، ولن تعود باختيارها، عن استبدادها بالشأن الفلسطيني في قطاع غزة.. عباس مأزوم يائس، بعد فشل مراهنته على تحقيق تقدم في المفاوضات بينه وبين إسرائيل، ويبحث عن مخرج.. لا بل يبحث عن "ملهاة" جديدة، يلقمها افواه الفلسطينيين الذين يواصلون عذاباتهم في الضفة المنكوبة بالاحتلال.. وفي القطاع المنكوب بالحصار.. خاصة والفلسطينيون على ابواب انتخابات رئاسية جديدة.. حركة حماس مأزومة وتتلبسها حالة عصاب، مما وقعت فيه من خطيئة لا تجد الوسيلة الكريمة للخروج منها.. وتحتاج هي الأخرى إلى "ملهاة" تلقمها للناس في القطاع، وفي الضفة أيضا.. لعلها توقد أمام المعذبين شعلة أمل.. لكنه أمل موهوم.. مثلما مبادرة عباس، وقبولها.. وهم كاذب، لا يحتاج لوقت طويل قبل أن يتبدد فلا يترك غير المزيد من عذابات الأطفال والنساء والشيوخ والمرضى في الضفة الغربية وقطاع غزة، المحكومتين بقوتين مستبدتين في شؤونهم.. بدوافع خاصة، أضيق في مساحتها من مساحة الدوافع الوطنية الحقيقية التي تفرض على كل مستبد، أن يتنحى، بفساده، وبحصاره، عن طريق الحياة، ليفتح الطريق أمام إرادة الحياة، بعدل وحرية لكل الناس! غزة في 7/6/2008
التعليقات مملوكة لأصحابها. نحن غير مسؤلون عن محتواها.
Re: P3d3P4zdzi3rz (التقييم: 1) بواسطة Her2Blut4uf64n6 في Monday, November 16 (معلومات المستخدم | أرسل رسالة)
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit. Fusce in tempor turpis. Maecenas elementum tellus dui, ut porta ipsum. Maecenas lacus lectus, semper vel sodales sit amet, pharetra sit amet leo. Cras id nisl quis risus varius fringilla sit amet in dolor. Phasellus luctus ullamcorper ornare. Integer egestas, neque vitae pharetra fringilla, est turpis mollis massa, nec adipiscing augue purus sed lorem.
Lorem ipsum dolor sit amet, consectetur adipiscing elit. Fusce in tempor turpis. Maecenas elementum tellus dui, ut porta ipsum. Maecenas lacus lectus, semper vel sodales sit amet, pharetra sit amet leo. Cras id nisl quis risus varius fringilla sit amet in dolor. Phasellus luctus ullamcorper ornare. Integer egestas, neque vitae pharetra fringilla, est turpis mollis massa, nec adipiscing augue purus sed lorem.