كتابات النوراني الكاملة

مريم عارية – رواية سافرة تكشف المستور

 كتابات أدبية (1) تأليف: حسن ميّ النوراني

 

مريم عارية

رواية سافرة تكشف المستور

 

 

 

 

 

 

 

 

حسن ميّ النوراني

في أول كتابي:

“رؤية دينية للدولة الإسرائيلية”؛

قلت:

“الدولة الإسرائيلية جماع الفساد الإنساني…”

وهنا… فساد ظلوم…

وحبٌّ يُطهِّر…

أبو سامي… إنسان أفسده العدوان الصهيوني على فلسطين…

أمّا الحبّ فقد طهَّره…

الحبُّ دواء الداء

 

1

ضرب الزلزال خيال الطفلة .والمعلمة الشابة، تدلق من حافظتها الذهنية، تفسيرات الفقهاء، لأول آيات القران الكريم:”الرحمن من الرحمة، والرحمة هي الرقة، واسم الرحم مشتق من الرحمن .والرحيم :الرفيق …”

إرتجَّ عود سماح الرهيف. وفي الفزع تبددت. حملقت في الضياع. والأشباح تخنقها. غام الهواء بريح الموت. أطلقت صيحة بعثرت فضاء المدرسة. غاصت اللحوم الطرية في خشب المقاعد. هرولت المديرة. المعلمة في ذهولها ترتعد… واليد العجوز المعروقة المصنوعة من امرأة مقهورة عانس، تهوي بصفعة موتورة على الوجه الشاحب البريء… والريحانة المذعورة في ظلام العصور تذوي…

غارت سماح في غيبوبة، فاقت منها على صوت ينادي عند الظهر: “الله أكبر”. وكفها الناعم؛ حمامة نائمة في عش يدوي، له دفئ ذكورة بكر، يذرفه قلب سامي، أخيها –كما تعتقد- بالتبني… “الحمد الله أنت بخير”…قال وضمها حنانه.

يصادف اليوم عيد ميلاد سماح التاسع.

“وفي ليلة بردها عاتٍ، مثل ليلتنا هذه، أو أقسى، قبل عقد كامل من الزمان الضاري…

تحكي سماح إلى حليمة، الجالسة القرفصاء عارية قبالة مدفأة يغلي إبريق الشاي المخلوط بالنعناع فوقها…

“داهمتني رعشة لم يقاومها فراشي الثقيل. ناديت سامي. فزَّ من نومه العمّيق. توسلت إليه خلايا جسد يضطرب، كأنما هو سفينة تلهو بها، عاصفة الموت، في بحر يترامى في الهلع الإنساني الأزلي الباقي: “أرجوك،نم معي”.

تردد الفتى قليلاً. لم يفعل ذلك من قبل. ثم جرفته الشفقة التي لم يكن يضن بها، نحو سماح؛ الطفلة سوداء البشرة، اليتيمة من كل صوب. وعلى الوسادة الرخوة الحمراء، تعانق الحب المشرق من عيون ظمأى إلى عطر القلوب، مع أنفاس تنفثها رغبة لم يختبر سامي مذاقها، حتى الآن.

تجاوز الوقت منتصف الليل. سماح رخوة تتقلب في حضن السهاد. ذابت ملابس الشتاء الثقيلة بين الجسدين اللذين كانا يفترقان، في عجل، فيلتصقان بالحرارة الأولى لشهوة ذكرية، تزداد جموحاً؛ والطفلة اللدنة، في براءتها، تلف خصر سامي بذارعها، وتقبض، بفخذها، على أسفل جذعه.

وسامي، يُحكم الحصار عليها. ويكافح طوفاناً يحتاجه. ذراعاه تضغطها. تبتسم الطفلة بعيون تنشقُّ فتنغلق. يتفلَّت سامي منها، وينأى قليلا… تلتصق به أشد مما كانت تلتصق. تجذبه من ذراعه، وترتد من صحوتها الخاطفة، إلى حضن سامي، فتزرع رأسها في صدره، فتتحاذى المنطقتان الوسطيان لهما. يضغط الفتى أخته، ثم يرتخي. تستلقي على ظهرها. يحملها النوم في جوفه. يضرب الجسد الذكري مرة أخرى. تهزمه فخذان منفرجان.. لا لغرض. تتحرك يد سامي في ثياب أخته. يقذف ماءه في فرج لم يتأهل بعد، لدوره المخلوق له…

اندست الفتاتان، كل في فراشها. هنأت سماح، بنوم، لم تذقه، منذ تلك الليلة الأولى، التي افتتح بها سامي، علاقات أخته، بالتبني، الجنسية، معه، ومع أبيه أيضا.

تعيش سماح، مع حليمة، ذات البشرة الأغمق من بشرتها، في شقة تقع في الطابق العاشر من بناية تعود ملكيتها إلى أبي سامي. تنتسب حليمة، إلى قسم الدراسات النفسية، في الجامعة التي تنتسب فيها، سماح، إلى قسم الصحافة.

وفي صباح كانتا فيه، تحتسيان الشاي، في شرفة شقتهما، المطلة على بحر غزة، وشمس الضحى، تداعب النسيم البارد، دخل سامي، بعد أن رن جرس باب الشقة، قبل أن يعالج قفله، بالمفتاح، من الخارج.

يزور سامي وأبوه، سماح وحليمة، عادة، في أوقات لا تبدأ، قبل الظهر. ونادراً، ما خالفا العادة، ويحفظ كلاهما، مواعيد محاضرات الطالبتين الجامعيتين. ويرافقانهما، منفردتين، في رحلة الخروج من دوامهما الدراسي، التي كانت، في أحوال عديدة، لا تقودها، إلى شقة الفتاتين، مباشرة.

رغبت سماح، بالإقامة بعيدا عن بيت أبيها بالتبني، لتتفادى إزعاجات سامي المتواصلة لها، بطلبات لا تنتهي، يحاول بها، أن يؤكد رجولته، التي لم تكن تحظى، بما تحتاجه من احترام، يليق بشاب ثري ووسيم. ولديها، صار سامي شيئا مختلفا، عما كانت تعهده، منه، عندما كانت طفلة.

كان سامي، يقرأ في عيون زملائه في الجامعة، وأقرانه من معارفه، ما يضمرونه له من مشاعر الاحتقار والنفور. والتي كان أبوه أيضا، يعاني من مطاردتها له، والذي يدوره، كان يسقطها، على سامي، المستهتر، (في رأي أبيه)، والمبتذل، اللاهث وراء نزوات، لا يخجل، من المجاهرة بها، في حضرة والده.

واستجاب أبو سامي، لرغبة سماح، في الاستقلال بحياتها، في بيت مستقل، ليتفادى الحرج، الذي كان يحسه، عندما تقوم إحدى عشيقاته، بزيارة ليلية له، لا تخفى على سماح.

في هذا الصباح، الذي اقتحم فيه، سامي، صلاة من غير طقوس، كانت الفتاتان تؤديانها، في رحاب مطلق، يفترش زرقة البحر تحته، ويتدثر بزرقة سماء صافية، جفتها غيوم الشتاء، القاحل هذا العام، فاجأت سماح أخاها: ” أنا حامل”…

غادرت حليمة الشرفة. قال سامي :”أشتهي صديقتك هذه يا سماح”.

_”سامي، قلت لك أنا حامل”…

“هذا شأنك”، رد وهو يقول: “سأدفع لها ما تريده إذا وافقت علي قضاء ليلة حمراء معي”.

_”أنت سافل”!

صفعها. صمتت. غابت في بكاء مبحوح. وحليمة تضمها، وتمسح الدموع التي تسقي ذكريات المرارة واليتم وهوان العبيد…

حليمة تعرف أن سماح حامل؛ وأنها تستسلم لرغبات سامي، وأبيه، الجنسية بوعي ورضا، ومنذ عهد بعيد، بدأ، بعد أربع  سنوات من الليلة التي فض فيها سامي بكارتها، حينما نضجت أنوثتها، وتفاقم إحساسها، بعذاب يمزقها، ولم يرحل عنها، ولا للحظة واحدة، منذ كشف لها سامي، عن سر التضحية بأمها، بعد ولادتها مباشرة، قبل تسعة عشر عاماً من الآن. وتعتقد حليمة، أن سماح، تهرب من محنتها النفسية، بتحدي القيم، المسئولة في الحقيقة، عن مأساتها. ولم يبدر من حليمة، أية إشارة باتهامها في أخلاقها، بالنظر إليها، من زاوية إصرارها، على إغراء كل من أبيها، وأخيها بالتبني، على التمادي في علاقتهما الجنسية معها. ويزداد تقدير حليمة  لصديقتها، لحرص الأخيرة، على إخفاء علاقتها، مع سامي، وعلاقتها مع أبيها بالتبني، عن ابنه.

فسرت حليمة موقف سماح الأخير، كما دونته في دفتر تأملاتها، كالتالي: “تحدى الظلم حق إنساني مقدس. والإذلال المتعمد، جريمة لا ترتكبها امرأة طاهرة، مثل سماح”.

 

2

اعتاد أبو سامي، زيارة سماح، في أوقات غير مبكرة من الليل، بعد أن ينتهي من أعماله التجارية، التي يزاولها بأعصاب مطحونة، وبمشاعر تضطهده من داخله. وبعد أن يتناول عشاءه مع الفتاتين، يبدأ في احتساء فنجان القهوة النسكافيه، المخلوطة بالحليب، والذي كان يحب أن تصنعه حليمة، ولا يفرغ منه، قبل أن يكون قد أشعل نصف علبة سجائر، قد تكون الرابعة، أو الخامسة، مما أحرق، منذ الصباح.

وقبل أن يطفئ عقب سيجارته الأخيرة، يكون النوم قد بدأ يجره، وأصابعه تتخلل، بعطف أبوي، شعر سماح، الهائج في فوضاه، حول عيون تكافح النعاس، ذابلة وأسيانة. وفي نجوى صامتة، تُلقي الابنة رأسها القلق، على صدر أبيها، وتحضنه.

تغبط حليمة صديقتها. حليمة، ومنذ بلغت السادسة من عمرها، بدأت معاناة الحرمان، من أب سرقه الموت، في حادثة دهس، في بلد خليجي، لا زالت أسرتها تقيم فيها.

تنسلُّ حليمة، بهدوء، من حجرة سماح، التي يرقد فيها أبو سامي. تغلق الباب خلفها. تدسُّ سماح جسدها، تحت فراش يضمها مع أبيها (بالتبني؛ كما تعتقد). يتماوج الجسد الأنثوي الطويل الرهيف اللدن الملتهب، تخربش السيقان الممشوقة، صمت الليل، يتحرك الذكر النائم في رجل طفولي شبق. يجذب سماح من جذعها. يداعب ثدييها، يرضعها بجوع أزلي إلى أمومة غائبة. تضغط يداها الملساوتان، رأسَه المتلفح بالثلج فيصير الثلج قطيعا من ماعز، يتنطط من تلة إلى تلة، على صدر يعلو ويهبط، ويعلو.. هذان نهدان يعشقان رجال الدنيا، كلها، وفي آن واحد…

فجأة، تنطفئ ثورة الذكورة. ينام أبو سامي، جوار سماح. يغفو قليلا. يضطهده نومه. يجلس في الفراش مفزوعاً. يلتفت إلى سماح، الوديعة مثل حمامة تلفها سحابة الصمت، يتمدد إلى جانبها. يدس ذراعه اليسرى تحت عنقها. يجذب رأسها، يطبع قبلة حارة، على الشفتين المصنوعتين بعناية إلاهية فائقة. يستلقي على ظهره. تشرد عيونه في الفضاء المعتم. تنحدر دموعه. يستدير نحوها مرة أخرى. يجذبها إليه، يلثم حلمتها اليسرى. يتوقف. يضغط ثدييها بأصابع من نار. ترتخي يده. يزفر. يرفع رأسه. يحملق في الأنوثة المستسلمة في ليل يرقص على موسيقى يعزفها موج البحر. يغمض عينيه. يلصق وجهه بوجهها. يضمها بعنفوان. يرتخي. يتحسس الحنايا الخلفية الضامرة لسماح. يزفر. يعتليها، يعصر الجسد المضطرم تحته. يلثم فمها. يرتمي على ظهره. يحوج كما الكلاب. يلقى رأسه المشروخ على صدرها. يجرفه النوم. يُطارده شقاؤه. يفزُّ مذعوراً. يحملق في وجه سماح. يغلق عينيه. يغرز رأسه في صدرها. يفزع. يلثم حلمتها اليمنى. ينحدر إلى أسفلها. يدس أنفه في فرجها. ينهض بحركة سريعة. يحملها بين يديه. يجلس فوق أريكة، وهو يضمها، بحنان الأمهات مجتمعات. تشرد عيناه، من باب الشرفة المزجج، في ظلمة تسكنه، وتترامي في الأفق اللانهائي.

يبكيان طويلا، وسماح تحضنه بعاطفة لا تزال ظمأى، منذ لحظة حملها الأولى، في رحم أم مضت في المجهول، منذ وضعت وليدة، كبرت، وتفاقم فيها السؤال: “تُرى، من أمي، ومن أبي؟!”؛ عذاباً مريراً…

كان أبو سامي يحرص على أن لا يندفع إلى ممارسة جنسية كاملة مع سماح. هي ابنته، هذه حقيقة لا يستطيع إنكارها بينه وبين نفسه.

لم يكن يخلع ملابسه، وهو في فراش سماح. وظلت الأخيرة، مواظبة على اتخاذ إجراءات وقائية لمنع حدوث حمل، كانت احتمالاته قائمة، نتيجة علاقتها الجنسية الكاملة مع سامي.

وفي ليلة، شعرت سماح، أن قوة تفوق قوة إرادتها، حملتها في جوف ضباب، فلم تتناول القرص اليومي لمنع الحمل. وعندما جاء أبوها (بالتبني كما لا تزال تعتقد )… كانت انفعالاتها، المشوشة، والمتصارعة، قد بلغت الدرجة التي، غمرتهما معا، في أول تجربة اتصال، روحي جسدي، أسكرتهما معا، في ليلة، لم يتناولا فيها خموراً، ولكنهما، كانا قد تجردا من قيود داخلية، في طقس، فشلت سماح، في تصويره لصديقتها حليمة، بعد خروج أبي سامي من شقتهما، في ساعة، توازي طلوع الفجر.

لم يتوقف أبو سامي، عند مسألة غشاء بكارة ابنته المفضوض. ويعرف، أن ذلك، يعود، إلى ما قام به ابنه، قبل عشر سنوات. وتحت تأثيراتِ عملية، لم تحكمها إرادة واعية، لم ينتبه أبو سامي، إلى أن فرج سماح، ليس صائما.

ومنذ تلك الليلة، أيضا، بدأت الفتاتان بالنوم معا، في فراش سماح، التي كان واضحاً، أنها غدت ميداناً، يتضاجع في فضائه، عمودان من نور مبتهج، وظلمة شرسة.

وفي ذلك الليل، الذي كان يسحب ذيوله، ضمت حليمة صديقتها، التي كانت لا تزال في غيبوبة شفافة، والتي لم تكن بعد، قد أفضت، بسرها الأخير، إلى حليمة، التي لا تخفي سماح، شيئاً مما يقع لها، عنها.

استسلمت سماح، للنوم في حضن صديقتها، مثل طفلة، يكسو وجهها، هدوء، يأتي من الأزل. كانتا عاريتين تماما. وكان خيال حليمة، يرسم لوحة جلال، يعزف رقصة باليه، تؤديها جوقة ملائكية.

وبعد خمسة أشهر، وهما في الفراش معا، قالت سماح، بعذوبة خائفة: “بدأ يتحرك”. ألصقت حليمة بطنها، ببطن سماح، صاحت بفرح، يكفي العالم كله: “رباه، ما أجمله!” استلقت حليمة، برشاقة، على ظهرها جذبت سماح من ذراعها، جعلتها فوقها، وبغنج أنثوي شبق، قالت: “اضغطيني”!

تأوهت حليمة. أشرقت عيناها بنور الحب وبهجته. توردت وجنتاها. أطلقها النوم في الحرية السرمدية، التي تتأجج في أنفاس امراة حبلى، ينبض فيها جنين، مازال منفلتاً، من قيود أكذوبة الإنسان الكبرى…

وكعادتها، استيقظت حليمة، قبل صديقتها، بحوالي ساعة، قضتها في الحمام، الذي تتناول فيه أول فناجين قهوتها، مع سيجارة تشعلها من نار موقد الغاز الصغير، الذي تضع قهوتها، عليه، وهي في الحمام، أثناء قضائها لحاجتها الطبيعية، الذي تبدأه، بعد أن تنكش شعر رأسها، نصف الخشن، والمبعثر، بفوضى، يصحو بها من النوم ، فتبدو كما لو كانت إحدى نساء أفريقيا، الموغلات في القدم. يؤكد هذه الصورة، شفاه غليظة، وأنف أفطس، وجسد قصير، مائل للنحافة، باستثناء ثديين ممتلئتين، ومؤخرة، تندفع للخلف، لا تخجل من عُري، تواظب عليه حليمة، ولا تجفوه، تحت أي ظرف، داخل الشقة التي تقيم فيها مع سماح.

ولا تنسى حليمة، أن تحمل معها، إلى خلوتها  اليومية في الحمام، الذي يضم مقعد قضاء الحاجة، دفتراً تدون فيه تأملاتها، بقلم أخضر.

وفيما يخص دراستها، لا تبذل، وهي، التي تقف على أبواب التخرج من الجامعة، جهوداً توازي تفوتها في نتائج الامتحانات، التي تدخلها.

تقول: “علوم النفس لا توجد في الكتب”.

أضافت، خلال جلسة، في شرفة شقتها، مع سماح، وهى (حليمة )تحلق في السماء، من فوق كرسي طويل، يتمدد جسدها العاري عليه: “لم يصل عالم النفس الشهير، فرويد، إلى نظرياته العمّيقة، بدراسته لما في الكتب. فعل ذلك، بعلاقة مباشرة مع حقائق الحياة الإنسانية “.

3

سماح قالت: “أحببت حليمة، بكياني كله، ومنذ أول لحظة التقينا فيها. كانت روحي التي كانت قد ضاعت مني”.

حليمة تكبر سماح ببضع سنوات. وتتقدم عنها، في الدراسة الجامعية، وفي وعيها الأخلاقي، ومستواها العقلي. يغلب عليها الصمت. وتستغرقها حالة من تصوف من غير طقوس ظاهرة. تعتز بانتمائها الإفريقي،  وتحفظ عن أسلافها، أن نسبها يعود إلى جدين، من غرب وشرق أفريقيا الوسطى، وقعا ضحايا تجارة الرقيق القديمة، قبل  مئات السنين، وانتهت رحلتهما، المكرهين عليها، في بلاد الشام. تمارس حريتها بطبيعة الغريزة، المضبوطة التي لا تجمح إلى إفساد حياة الآخرين. عاشت، على خلاف سماح، عمرها في الشتات. جاءت إلى غزة قبل ما يزيد عن ثلاث سنوات، للالتحاق بجامعة فيها. تعاني من انغلاقية المجتمع الفلسطيني، ولكنها تتسامى…

تابعت سماح: “أقامت معي، في شقتي في الدور العاشر، من بناية أنشأها أبي (بالتبني ) في عهد السلطة الفلسطينية. لم يمر على ذلك وقت طويل. كان أبي ( بالتبني) يشعر أنني بحاجة إلى شريكة تؤنسني في وحدتي، التي عانيت من قساوتها،  الجوانية والبرانية، منذ بدأت أعي أنني عارية من أم ومن أب حقيقي. كنت أتبدد…حليمة جمعتني…”!!

ذات مساء، دخلت حليمة، وزميلة لها، متجر أبي سامي، الكائن في حي الأثرياء في مدينة غزة. التقطتا لوحين من الشيكولاتة. كانت تتحدثا بصوت مسموع، عن نية حليمة الانتقال من البيت الذي تقيم فيه، مع أسرة من أقاربها، إلى سكن مستقل…

التقط أبو سامي الخيط. بادر بتقديم قطعتين من أجود ما لديه من الشيكولاتة، إلى الفتاتين، لتستبدلا بهما، قطعتين رخيصتي الثمن، اللتين اختارتاهما. خطفت زميلة حليمة، القادمة من إحدى دول الخليج، القطعة من يد أبي سامي، وهى تصيح بفرح أنثوي: “ياي.. شكراً يا عمو، هذه هى الشيكولاتة المفضلة عندي”. ثم أخذت أيضا، القطعة الأخرى، التي اعتذرت حليمة عن قبولها.

تجمدت عينا الرجل الستيني في نظرات تقفز من شهوة تغلي. كان صدر الفتاة ثورة نهود ريانة بالأنوثة التي تتحدى الذكورة القامعة المقموعة. تنهَّد من قاع نفسه. اصطنع ابتسامة رقيقة، قال بلهجة مجروحة، والفتاة تقرض الشكولاتة ببهجة،: “صحهْ وهنا على قلبك”.

“كم تساوي هذه الشكولاته؟”. سألت زميلة حليمة، وهي تغنج بجسد لدن، محشور في قميص وبنطال أحمرين، مشدودين على تماوج شبق، يرتخي حوله، شعر حريري، يلف وجها ناصع البياض، زاده إغراء، مكياج هادئ، وشفتان مرسومتان بعناية ربانية خاصة، تنفرجان عن ابتسامة يشرق منها حب منفلت..

رد أبو سامي: “الجميلة لا تدفع نقوداً”!

حدقت حليمة في عينيه. طأطأت رأسها. لم تنبس بكلمة. سألها: “هل أنت جادة في البحث عن مكان تقيمين فيه؟”.

استعادت إنضباطها الداخلي وقالت: “أحاول ذلك منذ وقت طويل. يبدو أن هذه المسألة صعبة هنا!”. وكانت، في الواقع، تصطدم بشروط، لم تتجاوب معها، يعرضها أصحاب شقق للإيجار.

“لا نزال أسرى أفكارنا القديمة”؛ قال أبو سامي. أضاف بحزم: “تفضلي غداً، صباحاً، بزيارتي، وإنشاء الله يحصل خيراً”.

تواصل سماح: “ظلت المسافة بين أبي (بالتبني ) وحليمة، مسكونة بالصمت، رغم محاولات متعددة، منه، لإغرائها بالكلام، الذي كانت، بشكل عام، تُمسك عنه. ولكن شفتيها الأفريقتين، كانتا، بركاناً من الشهوة، يمتزج فيهما،  انفعال، شبقي للأمومة والذكورة معاً. حليمة لديَّ، بهجة حب، تعذبت طويلا بالحرمان منها، قبل أن نلتقي. وفيها أيضا، أتذكر مديرتي التي صفعتني بقسوة، في التاسعة من عمري…”.

“سألتها: حليمة؛ هل تمتلك النفوس البشرية، عاطفة نبيلة، كما تمتلك الكلاب؟”. لم تجبني، ومسحت كفها، دموعا تاهت في صحرائي الجوانية. وبعد هنيهة، شعّت فتنة ذات نكهة أفريقية، من عينها، قرأت في أساها: كانت جداتنا القديمات، يقمن، في وقت واحد، بطاعة السادة، في النهار، والانصياع لرغباتهم، في النهار وفي الليل”.

قالت حليمة باقتضاب: “كان الخيار واحداً فقط”.ثم سألت سماح: “هل تختلف الحفيدات عن جداتهن؟!”.

وثابر سامي، على محاولاته، لاقتحام عالم حليمة الخاص. سألها مرة: “لماذا تتخلفين عن حضور الدروس الجامعية؟”. كانت تصمت. وكانت سماح تنهره.

حضر سامي لزيارتهما، ذات مرة. كانت حليمة تشعل سيجارة، وتلف جسدها العاري ببشكير كبير، بعد خروجها من الحمام، الذي قضت فيه، ما لا يقل عن ساعتين.

ضجت دقات قلبه، وتجمدت عيناه، بين نهديها الممتلئتين بأنوثة تمتلك كبرياءها الفريد.  انحسر البشكير عن فخديها. اضطرب سامي. أصابه زلزال الشهوة القديم، الصاعد من عنفوان الغابة الأولى. قال بنبرة ضالة: “لماذا خرج أبوانا من الجنة؟!”.

قالت حليمة، وهي ترمي ظهرها، على السرير: “للأحفاد حق العودة!”.

توهم سامي أنه كسب الجولة، قال بنبرة رقيقة ولْهانة: “هل أنت تؤمنين بذلك، حقا؟!”.

لاذت حليمة بالصمت. وقفت. لم تأبه لسقوط البشكير عنها. استدارت بهدوء نحو النافذة المزججة للحجرة التي جمعت الفتاتين مع سامي. انطلق خيالها في الأفق الحر المترامي في سماء البحر الأبيض المتوسط…

بحلق سامي في مؤخرة حليمة المندفعة فوق فخذيها الأسودين المكتنزين بنداء الشهوة المعتقة. انتفض. راودته نفسه أن يهجم عليها، كما يفعل النمر عندما يباغت الفريسة من خلفها. التفت إلى سماح. وقف بنزق. شق الهواء بصيحة معذبة. اتجه إلى الباب الخارجي للشقة. فتحه بعصبية. التفت إلى حليمة التي كانت قد استدارت في وقفتها. توسلت عيناه الخانعتان إليها. لم تنتبه إليه. جاح مثل كلب ينهشه الظمأ. مضى يتلوى… ويتوعد…

 

4

صفع سامي باب سيارته، الفاخرة، ضغطت رجله دواسة البنزين دفعة واحدة. وبعد دقائق معدودة، صفع باب مكتبه، الخاص. أشعل سيجارة، أطفأها بين أصابعه. أشعل سيجارة أخرى. دخلت عليه هند، سكرتيرته، وَجِلة، وما كاد فنجان القهوة الذي حملته أن يستقر على المكتب أمامه، حتى انتفض سامي، انتصب. أمسك ذراع هند بوحشية ثور هائج. أدارها. حل حزامه. فك أزرار بنطاله. أذهلت المفاجأة هند. أغمضت عينيها. دفع رأسها إلى أسفل. أحنت ظهرها. تفجرت فيها شهوة مذعورة. رفع جلبابها الطويل. حسر اللباس عن مؤخرتها. جذبها. صاحت بأنين لم تخبره من قبل: “ليس هنا”.صححت وضعها. أطلقت صرخة أنثوية متمردة. استدارت نحوه. وقبل أن ترفع عينيها إليه، كان يجمع بصاقه، وفيما هي منخرطة في البكاء، قذفها باحتقار، ببصاق غطى وجهها كله.

النار بدأت تشتعل في أنوثة هند المهانة. صفعها. دفعها عنه. أغلق الباب خلفها. وارتمى على كرسيه، يحدق في صورة أمه، داخل برواز مذهب، كان يتكئ أمامه. وبكى مثل رضيع مذعور جائع.

كانت هند أنوثة مهملة. لم تستخدم، فيما مضى، مساحيق التجميل. ويحمل وجهها بقايا بثور. وجاوزت الثلاثين، وتعكس طلعتها أسى مدمر، لم تكن تتحدث عنه. وهي، في مجملها، لا تمتلك من المزايا النسائية، ما يثير رجلاً متوازناً. ولم تختبر، حتى اللحظة، أية درجة، من العلاقات المتبادلة بين الذكر والأنثى. ولم يكن الحظ يحالفها، كلما بدأت العمل، في المكاتب، التي تفضل، في العادة، فتيات يمتلكن الجاذبية، ويستجبن لنزوات المدير. وتقلبت كثيراً، بين وجوه أصحاب العمل الذين كانوا يرفضون تشغيلها رغم كفاءتها العملية وأمانتها وطاعتها والتزامها الدقيق بمتطلبات الوظيفة المهنية. وقبول سامي بعمل هند في مكتبه، يعود إلى أن صاحب القرار، بشؤون المكتب هو أبوه، الذي لا يعنيه، توفر شروط الكفاءة الأنثوية في سكرتيرة ابنه. والابن يتغاضى عن هذا الجانب، بسبب ما يتمتع به من حظوظ يكسبها من خلال علاقات عديدة، يقيمها مع نساء كثيرات، داخل المكتب، وبعلم هند، التي أثبتت، أنها تمتلك قدرة فائقة، على التكتم على أسراره. والنقطة الأخيرة، تدعم، لدى سامي، الموافقة على استمرار هند، في العمل إلى جانبه.

كانت هند تخاف من الاقتراب من الرجال. وعندما كان سامي يختلي بإحدى زائراته، في الاستراحة المرفقة بالمكتب، كانت رغبتها المكبوتة، في الذكورة، والغيرة من الأخريات، تفتكان بها، على أرض حلبة، تتمثل فيها، هند، حادثة ذبح شقيقتها الكبرى، قبل سبعة وعشرين عاما.

وفي ذعر متوحش، تمازجه بداية ولادة إرادة التحدي الأنثوي، استعادت هند، صورة ما وقع بينها وبين سامي. قالت في سريرتها، وهي تحدق في شاشة جهاز الكمبيوتر، الذي تستخدمه في عملها. “لن أكون الذبيحة الثانية في عائلتي”.

قامت. جففت دموعها، ودماءها المختلطة بماء ذكري. دخلت استراحة المكتب.

وقفت أمام مرآته. خلعت وشاح رأسها القاتم. أطلقت الحرية لشعرها الطويل الناعم، الذي تسلل في سواده، قليل من البياض. تزينت بمكياج كان سامي يحتفظ به لزائراته.

صاحت في غنج أنثوي. تأوهت. تنهدت. نادت بصوت شبق: “سامي!”. نهض. كانت غرفة المكتب التي لا زال يجلس سامي فيها، قد غدت، غيمه قاتمة، خانقة، من دخان السجائر. وقف على باب الاستراحة. هند عارية، تستلقي على بطنها. رفعت رأسها نحوه. توسلت عيناها إلى ذكورته. أرسل قذيفة من بصاقه في الهواء بينهما. أغلق باب الاستراحة بعصبية قرفان، كال أرذل الشتائم، لها وللنساء كافة. غادر مكتبه. صفع الباب الخارجي بعصبية أعنف… مضى…

شردت عيناها في الأفق. سكنتها طمأنينة لم تعرفها منذ فطامها عن الرضاعة. حملتها ملائكة النوم على أجنحة من موسيقى نورانية…

” قفي”. قال صوت وقور حنون أيقظها بلطف.

فتحت عينيها. رجل بلحية بيضاء ناعمة طويلة، يقف عاريا عند قدميها. يحملق في تفاصيل أنوثتها. مد يديه. نهضت. احتضنته بعنفوان شهوة منفلتة. ضمها بقوة الرجولة البكر. استسلمت ببهجة طفلة وجدت أمنها الدافئ. لثم فمها إلى أن ذابا معا، في صلاة لم تقرأ عنها في الكتب. استلقى الجسد المتوحد في الحرية، بجوارها. دفنت رأسها في صدره. رقصت أضلاعها على لحنه. لثمت يديه، وعانقته كما تفعل بنت فجعها موت أبيها قبل أن يسترد الحياة من جديد. دفن الأشيب رأسه في عتبة باب المجيء البكر. شفط، بمنخاره العالي، أريج الرب. ضغطت كفاه على نهديها المجدولين بالظمأ المعتّق. أطلقت أنيناً قمعته السنون. صار الأنين صراخاً زلزل الفراش. انتفضت. أفلتت من آخر قيود كانت تحوم في الغرفة. هاجت، مثل ثور في حلبة مصارعة. انقضَّت على الرجل الموغل في الزمن. ضغطت يداها، المتصلبتان على عنقه الطويل. لثمت شفتيه بوحشية الغابة. ارتخت كفّاها. دفنت رأسها في صدره. احتضنته بشوق. جذبته فوقها. نشرت فخذيها. ضغطت جذعه بساعديها. ارتخت. أغلقت عينيها. لثمت فمه. وضعته تحتها. غرست أنيابها في ذكره المرتخي. صرخ. استلقى جوارها. دفن رأسه بين ثدييها. تسللت أصابعه في طراوتها. اهتزت. صرخت. هدأت. لثم الرجل حلمتيها معاً. ضمها بقوة وحنان. تلاشى…

تأخرت هند، عن العودة إلى بيت أسرتها، في الموعد المحدد لذلك. قابلها أبوها، على أول الطريق الضيق، الممتد عشرات الأمتار، المؤدي إلى البيت، باستياء ظاهر: “لن أسمح لك، بالخروج إلى العمل، إذا فعلت ذلك مرة أخرى”. قال. كان الليل قد بدأ يلف المخيم الذي تقيم فيه أسرة هند، بالظلام الصامت. قالت، بنبرة خجولة: “اضطررت إلى ذلك، لأسباب تتعلق بـ…”. كانت تنوي أن تضيف:”العمل”، ولكنها تلعثمت، وطأطأت رأسها، واندفعت، بشيء من فقدان الوعي، في الممر المترب، الذي تتراصُّ، على حافتيه أبواب متهالكة، يتسلل من شقوقها، أضواء كسولة.

وعندما عاود أبوها التنبيه عليها، وهما في المنزل، أن تحرص على العودة قبل الغروب، ردت بنبرة واثقة: “ماذا يقلقك. أنا تجاوزت الثلاثين”. أضافت في سريرتها: “وتجاوزت حدود الخوف”.

وسألت أباها: “هل تستطيع، وأنت الحائز على مؤهل جامعي في التاريخ، أن تفسر لي، خروجنا القديم من الجنة؟”.

اعتذر إليها، بالقول: “لا ترهقي نفسك بإلقاء أسئلة فارغة من الجدوى”. أكمل في ضميره: “منذ سبعة وعشرين عاماً، فقدت رغبتي في الفهم، وفي الحياة برمتها”.

لاذت هند بصمت يزلزله الماضي، تساءلت في سريرتها: “لماذا لم أواصل تعليمي؟”.

كان الناس، أيام الانتفاضة، لا يغامرون بالسماح لبناتهم، بالخروج من البيوت.

“يجب أن أستأنف دراستي، وأن أحقق حلمي القديم، بالالتحاق بالجامعة، وتعلم الفلسفة”. هكذا قررت هند. لكنها استدركت: “جامعات غزة، لا تعلم الفلسفة”. وتذكرت، أن مفكراً، قال في ندوة: “الفلسفة علم الحرية”. أضافت، وهى تواصل التحدث في سريرتها: “لم نقرر هنا، بعد، أن نبدأ الحرية”.

هند، شغوفة بدراسة الفلسفة، وتقرأ كل ما تصل يداها إليه، في هذا المجال. وأمدّها العمل، في مكتب سامي، بفرصة مناسبة، لتغذية توجهها الفلسفي… سامي، هو الآخر، كما أبوه، يهوى مطالعة كتب الفلسفة…

قامت لتنام، في فراش يضم معها، شقيقتها الصغرى، في حجرة، واطية السقف، تنهش الرطوبة جدرانها الخشنة، وتتقافز  الفئران، بين محتوياتها الرثة، التي تزاحم، إناث الأسرة، الأم، والشقيقات الأربع، اللواتي ينمن، على أرض شبه عارية، في برد الشتاء الذي لا يسمح للبؤساء، بنوم عمّيق.

في حجرة ثانية، يضاجع الذكور إحباطهم المزمن. وفي الحجرة الثالثة، يعبث وليد جديد، بأحلام الابن الأكبر وزوجته.

“ما أجملها!”؛ همست هند، في أذن شقيقتها، التي كانت تصارع سهادها. “ما هي؟” سألت الشقيقة الصغرى. “الحرية”، أجابت هند، قبل أن تطبع قبلة شهوانية على شفتي شقيقتها، المتكورة في حضن هند.

لم يدم شعور هند بجمالية الحرية، طويلا.. ودون مقدمات، سقط وجدانها إلى قاع حفرة، ظلت فيها، وإلى نهاية ليلتها، فريسة صراع يطحنها بين الرهبة والرغبة. وطاردتها أشباح، تخيفها، وتبهجها، وهي تقذفها، بأجسام لحمية صلبة، لها شكل مئذنة مسجد، كانت تخترقها، وتدميها، وكانت تقبض عليها، بكلتي يدها، وتجمعها في حجرها، وتلهو بها، ثم تقذفها في بحر الظلمات؛ ثم تتمثل لها ساطوراً يهوي على رأس أنثى، حامل؛ وتتمثل نساءً، عاريات، ينطلقن في مرح، ورجالاً يتقاتلون، وطوفاناً يهجم وينحسر عن أرض مزروعة بالورود…

وفي المساحة التي تجمع النوم والصحو معاً، التي فيها، تنفتح مناطق “الأنا والهو والأنا الأعلى” التي ميزها فرويد، تلاطمت في بيداء هند، مشاهد من صخب فوضوي، يرقص على ألحان غجرية، تهتز بها، بنايات غزة الشاهقة، في حلقة جذب صوفي، تشارك فيها، حيتان البحر، وضواري البر والغابة، ورجال تجارة وسياسة، وأطفال وصبايا، ترفرف في سمائهم، طيور تغني، تقفز بين أشجار نبتت قبل البداية الإنسانية والحيوانية أيضا… وسحاب داكن يلف المسرح المتلاطم، ومطر في لون أشعة القمر، ينهمر ويجري أودية… عرائس عاريات يتدافعن في شبق، في طرقات الرجال… النهود ثائرة، والأرداف تغنج، وغلمان يطوفون بأباريق بلِّورية… وأجيج النار يغزو بهجة الحلم…”قومي، تقدمي”؛ شق صوت الرجل ذو اللحية البيضاء، خيال هند…

انفجر، في سكون الليل الضبابي، شخير ذكرى، آت من الحجرة الشرقية في البيت الجاثم في عذاب لا زال يتفاقم، منذ عشرات السنين، بعد أن غادر والد هند، قريته في فلسطين. هبّت الشقيقتان مذعورتين. أنفكَّ التصاقهما اللحمي. وأعادتا ترتيب ملابسهما الداخلية. وطبعت هند، قبلة أم، على شفتي شقيقتها الصغرى. وعادت إلى استلقائها السابق، على ظهرها.

حملقت في السقف القرفان من تاريخه وحاضره. رأت هالة من نور، ترتدي الرجل ذا اللحية البيضاء. هبط. كشف عنها الغطاء. خلعت ملابسها. دثرها الدفء الذكري. تأوهت. همست بصوت سمعته الشقيقة الصغرى: “ما أجمل البياض”. واستسلمت إلى لذة النوم، على نغم يردده مؤذنو صلاة الفجر…

استيقظت على سؤال مقلق: “هل بدأتُ مشوار الحمل؟”.

وبينما كانت تراقب إبريق الشاي، فوق وابور الكاز الكالح، المشتعل، وبنصف انتباه، كان القلق يواصل اضطهادها:

“هل يعترف سامي بأبوته لطفلي؟ هل هو أبوه، أم أبوه هو الرجل الكبير؛ ذو اللحية البيضاء؟ الرجل الكبير!! هل هو آدميٌّ أم جنيّ؟!”.

رقصت في مخيلتها مشاهد رعب، وبهجة، رأت الرجل الكبير مرة أخرى. قالت بصوت أثار استغراب أهل البيت:”إنسان أنت أم…؟”. توقفت عن إكمال السؤال. برقت عيناها، قفزت في مخيلتها فكرة رأتها رائعة: “أنا حامل من جني!!”. صمتت في وجل. انفجرت منها قهقهة هستيرية، قطعها صوت يرتجف: “أنا…؟؟!! أنا…؟؟!!”. أصابتها نوبة بكاء عارمة. هرول أفراد أسرتها نحوها. سقطت على الأرض، أخذتها الغيبوبة… اجتاحها طوفان بحر النور. الرجل الكبير، تراه، يجدّف في بحر بعيد قريب، يدنو منها، يلامس يدها، يلثم فمها وحلمتيها دفعة واحدة. يحملها بين ذراعيه، يطير بها… تململت. ورددت وهي كما لو كانت تعاني سكرة الموت:” ذبحوه..ذبحوه..”.. تشنجت…

صرخت أمها في فزع وابتهال: “يا ساتر، يا رب، يا ساتر”. فقدت العجوز تماسكها، وقالت وهي تنتحب: “أية عين حاسدة أصابتك؟. توقعتُ أن يحدث لنا مكروه، منذ استيقظت هذا الصباح، لصلاة الفجر؛ رفَّت عيني؛ ونعقت الغربان.. لا، صاحبني القلق منذ أمس.. خمَّنت أن تأخر عودتك، تطوي شرا لنا… يا رب، لا تفضحنا…”…

قال الأب الذي يكبت انفعالاته: “اطردي شيطانك أيتها الخرفانة!”.

أشعل شقيق هند المتدين، المذياع، بحث عن إذاعة القرآن، وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ سورتي “الفلق” و”الناس”.

قال شقيق لها، تربطه بها علاقة حارة، في لهفة: “سأستدعي جارنا، لينقلها بسيارته إلى المستشفى”.

“أسرِع”، صاحت الشقيقة التي تشارك هند الفراش. أضافت: “طوال الليلة الأخيرة، كانت حرارتها مرتفعة، وكان قلبها يدق بسرعة، وكانت زفراتها حارة وتطارد بعضها، وبصوت مسموع”.

“يا شيخ بلاش هبل، شو ممكن يعملولها في المستشفى، ويا خوفي، اتروح ضحية الاهمال، زي كتير ماتو، وما حدا بيحاسب حدا”، قالت زوجة الشقيق الأكبر لهند؛ وبنبرة فيها ثقة، أضافت: “الموضوع بسيط يا ناس. راكبها جني. إنشاء الله يكون مسلم، وما يضرها كتير”.

قال الشقيق المتدين: “الجني المسلم يتقي الله”.

قالت زوجة شقيقها الأكبر: “خلي السيارة تاخذها على الشيخة فاطمة”. إيدها فيها البركة. أنا بنت خالتي؛ لَخْبَطُّوني، قصدي بنت خالة جارة ستي، حصل إلها بالزبط، زي هند. خمس دقايق بس، عند الشيخة فاطمة، رجعت البُنيّة عادية. كان راكبها جني مسلم. كان بحبها. وانتو زي إخواتي، كان ينام معها، وحبلت منه. هيك اسمعت”.

وفي غضون دقائق قليلة، كان صوت القرآن ، يوحد بيوت مخيم هند، الذي انطلق من أجهزة المذياع. وتناقلت النسوة بينهن: “هجمت الجن علينا”. قالت إحداهن بفجور:”بدنا دكوره”.

استعادت هند وعيها فجأة. قالت في سريرتها: “حسناً، أبوه جني”.

طردت ذيول الخوف. وطمأنت نفسها: ما أظنّ سامي، إلا طبلا أجوف، لا خير فيه لأمرة، ترجو منه حملا! أما العاشق الشيخ فهو روح لا يأتي منها خطر!

لامست أسفل بطنها. وتأهبت للتحدي. غادرت البيت إلى مقر عملها في مكتب سامي…

5

صنعت هند، فنجانين من القهوة، ووقفت، وهى تحملهما، على صينية، أمام سامي، الذي كان قد سبقها إلى المكتب. دفعت بطنها إلى الأمام، وقالت، بمشاعر تحدٍّ مستفزٍّ، ممكيج بمكر أنثوي راغب ومذعور معا، مشيرة بيدها الخالية، بحركة نصف دائرية: “ما هو شعور رجل، ينتظر أن يصبح أباً، للمرة الأولى، بعد تسعة أشهر؟!”.

رمقها سامي بغيظ مكتوم. اصطنع ابتسامة، ولم ينطق.

دنت منه. حاولت الجلوس على ركبتيه. دفعها بشراسة. صرخ: “أخرجي أيتها العاهرة”.

قالت بهدوء استفزازي: “بعد خروجك أمس، قضيتُ وقتاً مثيراً، مع سيد من سادة الجن الكبار. استمتعت جدا، الجن متحرورون من عُقَد ذكورنا الجنسية. هو توّد الاستمتاع مع جنيّة فاتنة؟ أستطيع أن أرتب لك ذلك، بواسطة صديقي الجني، لن يرد لي طلبا، هو مفتون بي!”.

أضافت، بغنج مفتعل: “ألا تود خوض مغامرة عاطفية من نوع مختلف، يا مديري الوسيم، وبعد أن عاشرت بنات غزة كلهن؟!”.

” ماذا تقصدين أيتها العابثة؟”. سألها بجدية حذرة. ردت وهي تقف خلفه، واضعة كفيها على كتفيه: “أؤكد لك، يا أبا ابننا القادم، أنني مستعدة لأن أفعل ما بوسعي، لدى سيدي، شيخ الجن العظيم، ليهديك إحدى أميرات بلاده. ثق بي، يا مهندس سامي. ممارسة الجنس مع الجن، تمنحك متعة، أستطيع أن أجزم، أنها أجمل مما ستمنحك الحوريات الخمس مائة، الموعود بها في الجنة. هبني قليلا من صبرك. أمس، بعد أن اخترقت خطي الأحمر، خط الذبح، ثم بصقت في وجهي. جاء سيدي الجني، فطهَّرني من قذارتك، وأطلقني في حرية كرامتي الأنثوية”!

“كُفِّي عن هذرك. هل أنت مزروعة هنا لحساب أعدائي؟!”. قال.

ردت: ” أودُّ لو أنك تتحلى بحسن النية. هدفي إسعادك. ولن تتكلف ثمناً ثقيلاً عليك. المطلوب منك، فقط، أن تضبط انفعالك، عندما أقوم بالبصق عليك. قبل أن أصفع الباب خلفي، وأغادر المكان. سيدي الجنيّ الكبير، أشترط ذلك، لتلبية رجائي إليه، بإهدائك جنية، تكرس حياتها لمنحك لذة أنثوية، لن تجدها في أية امرأة من بني الإنسان. هو الآن معنا، يحرسني من شرورك. كنا أمس، قد تداولنا أمر نزواتك، وقال إنه لن يخيب لي رجاء. تحدثت إليه، فيما أعرضه عليك، لم أستأذنك، هذا صحيح، ربما هذا مفاجئ لك، أنت لم تعتدد عليه مني. أنا الآن. منذ الأمس، لم أعد بحاجة إلى استئذان أحد. أعتقني سيد الجن، ووعدني بأنه سيحمي كرامتي وحريتي. لا تقل إنه يكذب. الجن لا يكذبون مثلنا. هل توافق؟ لا، أنا لست بحاجة لموافقتك. أنا قررت أن أطلب من مليكي الجني الآن، أن يخصص لك جنية تليق بك، أيها المستهتر البشع!”.

كظم سامي غيظا مخلوطا بالذعر، يغلي في عروقه. اصطنع الهدوء. أمسك كفييّ هند التي أرختهما فوق صدره. طبع عليهما قبلة زائفة، بعد أن جمعهما معا. وقال بتذلل طفل: “سامحيني يا هند. ما حدث أمس، كان سخيفاً. دعينا نبدأ من جديد. أعاهدك بأنني لن أعود إلى ذلك. أنا لا استغني عن سكرتيرة مثلك. ومنذ اليوم، سيتضاعف مرتبك. هكذا اتفقت مع أبي. وهو يحترم أمانتك وكفاءتك”.

ضغط كفيها وأضاف: “أمامنا عمل يحتاج إلى جهود مكثفة. يجب علينا التعاون معاً، للإعداد لاحتفال كبير، سيقام غداً.. هيا”. استدار إليها، جذب رأسها. طبع قبلة سريعة على فمها…

وفي غضون ساعات قليلة وبمساعدة سائق، يقود سيارة، من سيارات أبي سامي، وزعت هند مئتي بطاقة دعوة، على مكاتب كبار المسئولين والتجار، والشخصيات الاجتماعية البارزة.

وقبل رجوعها إلى المكتب، ذهبت إلى بيت عائلتها، لتُطَمْئِن أهلها، الذين شيعوها، عند خروجها في الصباح، بالدعوات والقلق. وزفَّت إليهم خبر مضاعفة راتبها. وقالت لأبيها، بعد أن لثمت يده: “سأضطر إلى قضاء وقت أطول في العمل. لا تقلق. امنحني رضاك”.

ردَّ أبوها، بانفعال مشوش، ومكبوت: “قلوبنا معك”.

عادت بصحبة السائق إلى المكتب، وكان سامي قد أخبرها بأنه لن يعودإليه، قبل الغروب. أغلقت الباب الخارجي بالمزلاج، من الداخل. خلعت هند، والسائق أحذيتهما. ودخلت المطبخ لإعداد فنجانين من القهوة النسكافيه. لحق السائق هند إلى المطبخ. طلب كوباً من الماء. احتك بمؤخرتها، وهي تنحني لإخراج زجاجة من رف سفلي في الثلاجة الكبيرة، التي كانت تعمل بأدنى قوتها التبريدية، والتي يحتفظ فيها سامي بقناني متعددة من المشروبات المختلفة.

استدارت هند نحو السائق. رمقته بنظرة لا مبالية. أمسك يدها التي كانت تمتد إليه بكوب الماء. سحبت يدها، وهى ترمقه بنظرة فيها تحدي الإغراء. سقط الكوب الزجاجي وتهشم. تجرأ السائق وجذبها من ذراعها. تشبثت في المكان المحشور بين فرن الغاز والثلاجة. أمسك رأسها، اغتصب منها قبلة وحشية. دفعته عنها بقوة. فك حزام بنطاله. هربت هند. انطلق وراءها، وهو يكاد يترنَّح تحت ضغط شهوة فتّاكة. تعثر في بنطاله الذي كان قد سقط إلى أسفل ساقيه. صاح وهو يهم بالوقوف: “لماذا أغلقت الباب إذن؟!”. سال دم من قدمه الذي انغرست فيه شظية زجاجية. رن جرس الهاتف. أبو سامي، على الطرف الآخر، يطلب ذهاب السائق إليه، في متجره، فوراً.

التفت السائق نحو هند، فيما كان يفتح باب الخروج، وقال بغيظ: “لن تفلتي مني، في مرة قادمة”.

شيعته هند بغضب يغلي في عينيها، وقالت، بعد أن صفع الباب وراءه، بعصبية: “ستحرقكم ناري!”. عادت إلى المطبخ، تحاشت المرور، بقدميها الحافيتين، من فوق الزجاج المهشم. أكملت صناعة القهوة. دلقت الكنكة في فنجان كبير. وقفت في شرفة المكتب المطلة على الشارع الذي يقع فيه، مبنى المجلس التشريعي، الذي تترامى، أمامه، من الناحية الشرقية، ساحة الجندي المجهول. شردت عيناها في فضاء غزة. انحدرت دموعها… وضعت فنجان القهوة، على حافة الشرفة. كان لا يزال ممتلئاً. دخلت حجرة الاستراحة. حملها النوم الرؤوم بين أجنحته…

6

في وقت مبكر، من صباح اليوم التالي، استيقظت هند، على صوت ابن شقيقها، في الخامسة من عمره: “عمتو، الزلمة عاو زك”.

نهضت ملهوفة. استبدلت جلباب الخروج، بجلباب النوم. اندفعت نحو باب بيت عائلتها الخارجي، وهي تعقد طرفي غطاء الرأس حول عنقها. أطلّ سامي بوجه مبتسم، من نافذة سيارته اليمني، قال برقة: “صباح الورد يا ورد”. أضاف: “أنا آسف لمجيئي المبكر، ولكنني اضطررت إلى ذلك. أمامنا اليوم مهمة كبيرة، يجب أن تعاونيني لكتابة الخطاب الذي سألقيه في الاحتفال. جئت لأصطحبك معي إلى المكتب، في هذا الوقت، ليكون أمامنا فرصة كافية. ورغبت أن أصطبح بوجهك الجميل، في هذا اليوم المهم بالنسبة لي، ولأبي”؟

ارتبكت هند، وهي تشعر بالخُيلاء، أمام جاراتها، اللواتي وقفن، على عتبات بيوتهن، بعيون مزمومة، يراقبن السيارة الفخمة، المحشورة في زقاق المخيم الجاثم في تأوهات نسوانه، وزفرات الحسرة. تركت هند، باب بيت عائلتها الخارجي، مشرّعاً إلى أقصى مداه. ركبت جوار سامي. وتذكرت، بعد انعطاف السيارة إلى شارع عمر المختار، أنها نسيت حقيبة يدها، وتذكرت أنها، غادرت بيتها دون إخطار أحد من أهلها.

قضت نساء مخيم هند، يومهن، وهن يتساءلن، في خبل وفي خبث: “هل تمنح الجن بركاتها، لمرأة يركبونها؟ هل وقع الشاب الغني الوسيم، في شباك فتاة مخيمهم الفقيرة، والخالية من الجمال؟ وهل.. وهل..؟”.

دخلا المكتب عجولين… جلست هند، قبالة جهاز الكمبيوتر. فتحت ملفاً جديداً في برنامجه الطباعي. وقف سامي خلفها. وضع كفيه على كتفيها وهزهما. برفق. زحفت كفاه إلى ثدييها. ضغطهما. لفتت هند رأسها نحوه. كانت عيناه شاردتان. انتبه. طبع قبلة سريعة على شفتيها. قال وهو يكتم تأففه: “أستأذنك لأصنع فنجانين من القهوة”.

قالت هند بصوت مرتفع: “ماذا تود أن تقول في خطابك؟”.

سامي: “اكتبي: بسم الله الرحمن الرحيم”.

هند: “فرغت من ذلك. ماذا بعد؟”

سامي: “أرجوك يا هند، ضعي بين الميم والنون، في كلمة الرحمن حرف ألف. أخاف أن أتلعثم أمام الحاضرين، وأن أنطقها بصورة غير سليمة”.

فرقعت حجرة مكتب هند، بقهقهات متواصلة، أفقدتها سيطرتها على حركة أفلتت من أسفلها، بصوت دفع سامي، وهولا يزال في المطبخ، إلى الانخراط في الصخب الضاحك، وضرب كف بكف، ويقول في تقطع: “يومنا ضراط.. ضراط!”.

استعاد هواء المكتب هدوءه. قالت هند: “ماذا أكتب؟ الوقت يسرقنا”.

سامي: “هل تحفظين شيئاً من القرآن الكريم؟”.

هند: “ما أحفظه لا يناسب المقام”.

سامي: “لا تُعقِّدي الأمور يا هند. لن يتوقف أحد من الحضور أمام ما سأقوله. نحن لا نفكر فيما نسمع، فضلا عن أننا لا نسمع. قلوبنا وعقولنا مغلقة. نحن لا نرى، لا نسمع، لا نبالي”.

هند: “هل أكتب: قل أعوذ برب الفلق؛ أو: قل أعوذ برب الناس..؟‍!”.

سامي: “الحفلة ليست لطرد الجني الذي يتلبسك. آسف، سامحيني. أقصد: قد يبتلينا الله بمتطفل من أصحاب العقول. البلد لم يجف منهم تماماً. مازال لدينا بلهاء كثيرون يحلمون بالتصحيح!”.

هند: “أقترح عليك أن نستعين بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية؛ فيها كثيرون، كما في كل وزاراتنا، لا يجدون ما يفعلوه!”.

سامي: “تذكرت. هاتفي إمام المسجد الذي أنشأه أبي. على الأقل نمنحه فرصة لفعل شئ ما يبدد به ضجره في هذه الساعة من النهار، التي يُطْبِق فيها الصمت على أنفاس بيوت الله”.

دخل الإمام، من باب المكتب، برجله الشِمال. استدرك الخطأ. خرج. عاد فدخل برحله اليمين. رمق هند بنظرة، قرأت فيها أغواره المتشظية. قامت لمصافحته. لم يمد نحوها يده. اعتذر إليها بأنه على وضوء. ولكن عينيه، كانت تفضحان رغبة شبقة، تستشعرها الإناث، وتسمعن فحيحها.

قال الإمام، المدعو عبد السميع: “اكتبي يا حرمة: بسم الله الرحمن الرحيم”.

هند: “فرغت من ذلك يا سيدي الشيخ”.

الإمام: “اكتبي: والحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد…”.

“ماذا تشرب يا شيخ عبد السميع، شاياً أم قهوة؟”. قال سامي بصوت مرتفع، وهو يجلس في حجرة مكتبه.

“بارك الله فيك يا باش مهندس. أنا صائم”. رد عبد السميع.

سامي: “هل دخلنا شهر رمضان من جديد؟ هذا كارثة. سيفشل الحفل!”.

ووقف سامي فاغراً فاهه، يقلب نظره، ما بين هند وعبد السميع.

خفت حدة نبرة عبد السميع، وهو يسأل هند: “هل كتبت ما تلوته عليك؟”. فتح عينيه بشهوة لم يعد قادرا على مداراة احتراقه بها. حملق في سيقان هند المكشوفتين. تجمّد. قال مغمغما؛ وهو لا يزال يلتهم اللحم الإنثوي المتحدي: “استغفر الله، وأعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.

حسرت هند ثوبها، عن مساحة من فخديها. وزعت نظرات شرسة ما بين عبد لسميع وسامي. أغلقت الكمبيوتر، دون أن تحفظ ما دونته. وانتفضت، في نزق. وبرزت في مخيلتها، صورة شقيقتها الكبرى، وهي تصرخ في فزع: “بريئة يا أبي، بريئة”.

قال عبد السميع: “أنت مستهترة، ولم يحسن أهلك تربيتك”.

ردت هند: “وأنت تحمل لحية، تصلح لتنظيف الشوارع فقط”.

غضب عبد السميع، وقال: “هذه المرأة، شؤم عليك وعلى أبيك يا سامي”. وخرج، وهو يُزبد.

تبعته هند، إلى باب المصعد، في الطابق ذاته، الكائن فيه مكتب سامي، وقالت، وهى تظهر التراجع عن قسوتها معه: “لماذا لم تفهمني؟ أرجوك، أصفح عني!”

حدّقها بعينين شهوانيتين مغيظتين. وخطر له أن يلثم فمها. وقف المصعد أمامها. دخل إليه. حاول أن يجذبها من ذراعها، قالت بغنج: “أنت صائم، وعلى وضوء أيضا!”.

7

تحولت حجرة مكتب سامي، إلى سحابة قاتمة، من دخان سجائره، التي اشتعلت بنار تضطرم داخله: “لماذا تواصل حليمة إذلالي؟!”.

رفضت حليمة، توسلات سامي الحارة، لها، لحضور الحفل الذي قرر أبوه إقامته، الذي تقول بطاقة الدعوة إليه، أن مناسبته هي حصول سامي على وظيفة رفيعة المستوى في إحدى دوائر السلطة الوطنية. “هذه إهانة مقصودة منها. وإصرار على التحدي”. قال سامي بصوت مسموع، وهند، تحمل إليه فنجان قهوة جديد.

إنتبه إليها، وهي تسعل، وتستدير، للخروج بسرعة من الحجرة الخانقة. سألها بنبرة محبَطة: “هل الخطاب جاهز؟”.

أجابت: “كلا. وعليك أن تتدارك الأمر، قبل فوات الأوان. لكن؛ قل لي، هل من المهم أن تلقي خطاباً في الحفل؟ قد يضعك ذلك في موقف حرج، هل تحدثت إلى جمهور من قبل؟ لماذا تريد أن تكشف، علناً، أن الوظيفة المسندة إليك، أكبر من إمكاناتك؟”.

أطرق سامي، وهمس بصوت لم تسمعه هند: “مغفّلة!”.

تخرّج سامي، منذ وقت قصير، من جامعة، في بلد أجنبي، حصل منها، على إجازة البكالوريوس في الهندسة المدنية. ويعتمد، في تدبير شؤونه، على ثقل أبيه، الذي يتمتع بقدرة فائقة على نسج علاقات، تصب في خدمة أهدافه.

عاد سامي يوجه الكلام إلى هند: “يجب أن يكون الخطاب جاهزاً، قبل مرور نصف ساعة من الآن”.

ردت هند وهي ترمقه باستهتار: “ليس عندي ما أستطيع فعله لك”. صمتت لحظة. تابعت بدلال: “سامي، هل تجيد الغناء والرقص؟!”.

انتفض غاضباً. قذفها بمطفأة السجائر الكبيرة المحشوة بحملها الثقيل.

ضرب سطح المكتب بقبضتيه. زفر. قذف فنجان القهوة، الممتلئ، في الهواء الداكن. تهاوى على الكرسي. أشعل سيجارة جديدة. اقتربت منه هند. حاولت تهدئته. نظر إليها، بعيون يطحنها الأسى، قال: “لماذا ترفض الزنجية القبيحة، توسلاتي إليها، لحضور حفل تتمنى، كل بنات ونساء غزة، حضوره؟”.

“هند، اصنعي لي خدمة لن أنساها لك. هاتفيها. حاولي إقناعها بالعدول عن موقفها. إذا أصرت على عدم الحضور، حاولي أن تفهمي منها سبب ذلك. أريد أن اعرف: هل تحتقرني؟!”. صمت، انكفأ على مكتبه.

“الطرف الثاني لا يرد”. قالت هند، التي تحولت إلى جهة جلوس سامي، وألقت ذراعيها، على كتفيه، بعد أن رفع ظهره، واسنده على ظهر الكرسي.

“حاولي مرة أخري”، قال.

ضغطت على زر الإعادة في جهاز الهاتف. وهمّت بالجلوس على حجره، وهي تثبِّت سماعة الهاتف بين فمها وأذنها.

دفعها للابتعاد عنه، برفق. وسأل: “هل هناك من يرد؟”.

أغلقت الهاتف، بحركة متوترة. واندفعت نحو الباب الذي يفصل بين حجرتها وحجرته في المكتب. صرخ بحنق: “اذهبي إلى الجحيم أيتها العاهرة”.

  • “أنا يا سامي؟”.

– ” نعم؛ أنت. أيتها المقرفة، ووجه الشؤم!”.

– “أنت حقير وساقط، تلهث وراء كوشَّية، وعبدة، تأنف الكلاب من النظر إليها”.

انفجرت أنوثة هند، المجروحة، في هياج، استنزل فيضان شتائم، انفلت منها؛ حقد مكبوت، ضد الذكورة، وضد المهانة الأنثوية معاً. “أنت شرموط، وكل نسائك، شرموطات، وأمك شرموطة، وأبوك شرموط”. قالت في حدِّة. وانهارت على الأرض وهي تبكى.. وتواصل: “تمارس دعارتك على عيني. وتبصق في وجهي، أيها الواطي. كلكم، أيها الرجال، صنف واطٍ، تجرون وراء نساء يحتقرنكم. أنتم حقيرون. وكل امرأة تستسلم لكم حقيرة، وتستاهل ما يلحقها من ذل، منكم. أنت عار، وابن عار أيضاً. منحتك نفسي، فعاملتني مثل قطة جرباء. أستحق ذلك، وأكبر منه أيضا. ولكنني لست سهلة. سأجعلك تندم على يوم مولدك. أيها السافل، أنظر، هنا ابنك”. وحسرت جلبابها إلى ما فوق بطنها، مع إشارة من يدها تعني أنها حامل. في قرارة نفسها، تعرف هند أنها لا تملك دليلا على حملها، لكنها تتسلح بهذه الدعوى. قد تتحق، هذا ما ترغبه!

وقفت. بصقت في اتجاهه، وقالت بقرف: “عليك وعلى العالم كله”. اندفعت نحو الباب الخارجي للمكتب. فتحته. استدارت، وقالت بصوت مُلحَّن: “سامي.. تلحس طيزي”. صفعت الباب بقوة. مسحت دموعها، واستدعت المصعد. دخلته وهي تقول بصوت مسموع: “قريباً، ستدفع أيها المغرور، التافه، ثمناً باهظاً”.

أغلق سامي باب المكتب الخارجي، من الداخل، بالمزلاج. فصل الهاتف. وأغلق جهازه الخلوي. ارتمى في فراش مكتبه، غرق في سبات أسود. صحا، بعد أن كان الحفل قد ابتدأ منذ ساعتين. وقبل أن ينهض، قال في سريرته: “ترى، هل أجدها هناك؟”.

وتذكر ما كان يردده، باختيال، أمام أقرانه: “شباب ومال وكلام معسول يساوي: متهافتات أكثر من شعر الرأس”!

8

وفي الصالة، الفخمة، الواسعة، التي أقيم فيها الحفل، كان أبو سامي يغلي: “مستهتر. مازال طفلاً. كيف أفسِّر للحاضرين غيابه؟ كيف أخرج من هذا الحرج؟”. قال، وهو يطلب من مساعديه، للمرة العشرين، تجديد محاولاتهم للاتصال بسامي، والبحث عنه، في كل مكان، من المحتمل أن يكون فيه. “غيابه يدمر خطتي”. أضاف، بغيظ مكتوم.

إقتربت منه هند، إلى أن أن كاد جسدها يلامس كرشه. وقالت بصوت هامس، فيه نعومة أنثوية، ترقص لها قلوب الرجال، والابتسامة العذبة، تضئ وجهها، الذي يختبئ تحت طبقة سميكة من الأصباغ: “الهمّ يجعلك في عيون النساء، عجوزاً ناضب الرحيق. حافظ على اتزانك. واستعد بهجتك التي تعرفها عنك نسوة غزة. المرأة لا تحب الرجل العابس. الابتسامة هي أقصر الطرق لولوج عالم حواء. هيا.. هيا، أطرد القلق. أنت نجم الحفل، وليس سامي. وثق يا عمّي، أن أحداً من الحاضرين، لا يبالي، ولا يشعر بغيابه”. نظر إلى عينيها. وجال في خاطره، شئ ما..

وبرشاقة، سحبت مقعداً، ودعت، بحنان، والد سامي، للجلوس. قال بهدوء جريح: “اسحبي مقعداً آخر، واجلسي جواري”. وكاد أن يحتضن رأسها على صدره…

 هند: “لماذا لا تشرفنا بالزيارة في مكتب سامي، إنه قريب من متجرك. وجميل لو أنك قضيت معنا، استراحة الظهيرة”. سبّلت عيونها، ثم قالت: “هل تقبل دعوتي لتناول طعام الغداء، معاً، في مكتب سامي، غداً؟ صحيح أن إمكاناتي المالية متواضعة، ولكن السعادة ستغمرني”. نظرت إليه، بتودد. وأضافت: “أرجوك، لا تحرمني من هذا الشرف!”.

“هيا، ابتهج؛ تُرى، من تلك المرأة الأربعينية، الممتلئة، القصيرة، التي لم تنفك عيناها عن متابعتك؟!”.

أبو سامي، يلوذ بالصمت! وهند، تكاد أن تلتصق به. والمرأة الأربعينية، تقوم، تتجه بخطوات وئيدة، نحوهما، وهي تغوص في ذاكرتها، إلى ما قبل عشرين عاماً، تقف أمام أبي سامي. تلامس ساقاها، ركبتيه. ينتبه إليها. يرتبك. يقف. يصافحها دون حرارة. يمتقع وجه هند. تحدّج المرأة الأربعينية بنظرة ارتياب. تتصنع الود. تقف. تُقبّلها. وتدعوها للجلوس إلى جانبها، غير الملاصق لمقعد أبي سامي.

همست المرأة الأربعينية، تخاطب هند: “منذ متى تزوجتما؟”.

راوغت هند في كلامها. سألت المرأة الأربعينية: “هل تعتقدين أن زواج المرأة، خير لها من العنوسة؟!”.

تنهدت المرأة الأربعينية. قالت: “ليس كل عنوسة!”. أخرجت بطاقة، تحمل إسمها، وعنوانها، ورقم الهاتف. وأضافت إليها، رقماً آخر، وهى تحاول إخفاء ذلك عن هند. قامت. ودست البطاقة في جيب معطف أبي سامي. قالت: “أشكرك، على أنك كنت دائماً مصدرا لكل…”، توقفت. أومأت إليه برأسها. تجاهلت وجود هند. وغادرت صالة الحفل.

شب حريق في رأس هند. كتمت غيظها. قالت في سريرتها: “قريباً، أيها العرص الكبير، سيجيء لك، ولابنك، دمار يسحقكما”.

ضجّ هواء الصالة، بعبق البهجة. الأطفال يرقصون على ألحان أغنية للحب. والطرب يعبث بالصبايا. يقهقهن، تتقدم بعضهن، بثياب مشدودة على صدور شقت نصف الطريق إلى النضوج الأنثوي، يتخايلن في مشيتهن، فيما هنّ ذوات قدود لدنة، لا يخفى من تفاصيلهن خافية. يلتففن في شبه دائرة، حول أبي سامي، السارح النظرات: “عمّو، بِنْحب نِرْؤُس معاك”، قالت إحداهن بدلال، وهي تمسك يده وتشدّه بِرقّة.. قبل أن تندفع زميلاتها، فيدفعنه، إلى الحلبة التي كانت تموج بالحضور النشوان..

حاول أبو سامي التفلت من أيادي الصبايا الضاحكات. استنجدت عيناه، بهند.. لكنها قالت: “لا تجرح خاطر البنات. شاركهن فرحتهن. هذا ليس عيباً”. ونزعت عنها غطاء الرأس، الذي كان شيئاً ناشزاً في معرض تصفيف الشعر، النسائي، اللواتي رسمت الحاضرات صورته، وطوقت به، ردفي أبي سامي، وصاحت، بانطلاق مبتهج، ومعها البنات، في الصالة، كلهن: ” سأْفه يا شباب”.

في برهة قصيرة، أدرك أبو سامي، أن الرقص وسيلة روحية ناجعة، لتبديد حالة سوداوية، كانت تنهشه. ولكنه اكتشف، فيما بعد، أنه بحاجة إلى تجربة أعمق..

تراخى حماس هند، وتوقفت عن التصفيق، فيما كانت تقول في سريرتها: “غداً موعدنا، وسأجعل أنفك، وأنف ابنك، النتنين، تحت حذائي”.

اندمج أبو سامي بالرقص. كان يهرب من ذاته. استغرق في حركات عنيفة، لم تكن تنسجم مع ألحان الأغنية التي تصدح في فضاء الصالة. ودار حول نفسه، حتى فقد توازنه. سقط. حاول القيام. خانته قواه. صمت كل شئ. تقدمت هند نحوه. ساعدته على الوقوف. وضعت ذراعه حول كتفها. أخذته نحو ركن منزو في الصالة. جلست إلى جواره، على أريكة مزدوجة. ألقى برأسه إلى الوراء. أغمض غينيه. تدحرجت دموعه بين ثنايا وجهه المقبوض. ألقى رأسه على صدرها. رفعه. برقّة، أحاط كتفيها بذراعيه. توسل إليها: “امنحيني قبلة”. تصنّعت الحياء: “الصبر جميل”، قالت. “رافقيني إلى البيت”، قال. “الصبر جميل”، قالت مرة أخرى، وهي تحاول الإفلات من قبضة ذراعيه، التي كانت قد اشتدت حولها.

إنفضّ الحفل. وغادر الحاضرون، دون أن يعبأ أحد، بأبي سامي، الذي أخذ يحدِّج ، في ظهورهم، وهو لا يزال في ركنه المنزوي، الذي ظل فيه، ما يزيد عن ساعة، قبل أن يتجه إلى شقة سماح.

حضر سامي، فيما كان الحاضرون يغادرون القاعة. لم يبال به أحد.

طلبت هند، من سامي، أن يحملها، بسيارته، إلى منزل عائلتها، بعد أن قالت له، بعتاب، إنه استفزها، وفقدت سيطرتها، مما اضطرها، إلى ما صدر عنها، بحقه، في النهار الأخير. حدّقت في عينيه، وهمست بتودد يفوح منه نفاقها: “لا تجرح كرامتي مرة اخرى”. ولكن، ظلت عيناه، متحجرتين، في رأس مشروخ بين الغيظ والقنوط. وفي السيارة، وضعت كفها اليسرى، على فخذه الأيمن. ثم مالت نحوه. حضنت كفه اليمنى بين راحتيها. رفعتها. طبعت قبلة سريعة زائفة على ظهرها. وضعتها على بطنها السفلي. ضغطتها برقة. جذب سامي يده بحدة. وصلا بيت عائلتها. العتمة عباءة ثقيلة ترتدي مخيمها؛ همست، بنعومة وبتلذذ وتدلل وتذلل تجيده الإناث:”سامي، أنا طوع بنانك. إفعل بي ما شئت. سأقضي ما بقى من هذه الليلة، بالابتهال إلى الله، أن يمنحك السعادة. تصبح على خير”.

كانت هند، قد تحدثت إلى جسد ميت الروح، أصم، وأخرس.

غابت السيارة في أزقّة المخيم الضيقة، المظلمة. تسمرت على عتبة منزل أهلها. تساءلت: “ترى، هل ناموا؛ أم، هم يتصنّعون النوم، هروبا من مواجهة هند الجديدة؟!”.

9

اتجه سامي إلى مكتبه, كانت سماح تنتظره فيه. حمل معه مقداراً كبيراً من الخمور، والسجائر. خلع ملابسه واستلقى إلى جوار سماح، التي كانت تجلس القرفصاء، وهي عارية، على الفراش، الذي شعر سامي، أنه أرجوحة عادت به، إلى هيولي الوجود الأولى.

هواء الحجرة دافئ مخمور، تتلوى فيه أعمدة الدخان. استلقى سامي على ظهره. عيناه غائمتان. قلبه ينتحب. يدلق بين الحين والحين، جرعة خمر في جوف يحترق.

تحملق سماح في اللاشئ. وتلوذ بالصمت. وسامي يهذي، بنبرات تعلو وتهبط.. “تحتقرني! أستحق ذلك. الرجل الذي يلهث وراء مؤخرة قبيحة يستحق الاحتقار. لكن، لماذا تصر على إذلالي وامتهان رجولتي؟ فسِّري لي يا سماح، لماذا تجلس أمامي عارية، تتحدى ذكورتي، وترفض محاولاتي للاقتراب منها؟ العبدة! التي لا تزال ترضخ لأخلاق العبيد! هذا فظيع! تجمعنا شقتك معاً، أنا وهي، منفردين، ولكنها تتجاهل وجودي. هذا انتقام العبيد من السادة. تذبحني. شاب غني، مثلي، ووسيم، وذو مركز اجتماعي، ويحب الحياة، وتطارده اجمل البنات والنساء، لم يذق طعم الهزيمة، لا يكبو لنزواته فرس؛ تطرحه حليمة على قفاه! أنت أختي، سماح، هل يرضيك أن تواصل ازدراءها لي؟! هل أنا أجْرب، وهي وحدها التي تعاف اقترابي منها؟! أريحيني، أتوسل إليك؛ هل ترتبط مع رجال آخرين بعلاقات عاطفية، تُشبع رغباتها؟! هل تحب رجلاً ما، وهى مخلصة له وحده؟ هل هي بلهاء، هل الحب له معنى إذا لم يعلمنا أن نحب بقلب يسع الجميع؟! هل تكرهني حليمة، هل تتقزز من رائحتي، أم من لوني؟ هل تتقزز السوداوات من البيض؟! هل تشك في قدراتي الجنسية؟! هل تحدثتما معاً عن فحولتي؟! لماذا يا سماح، تتهاوى البنات والنساء تحت أقدامي؛ وحليمة، وحدها، تحرقني بنار اشتهائي لها؟! رباه، لماذا اشتهيها؟! هل أنا ضحية العداوة القديمة بين سود أفريقيا، والمستعمرين البيض؟ هل هي تخوض حرباً ضدي، نيابة عن تاريخ العبودية القديم، والمتصل؟! هل تخوض حربها ضدي، نيابة عن المرأة المقهورة؟! هل يحق للمقهور أن يقهر غيره؟! هل تنتقم مني، نيابة عن بؤساء الأرض؟! ماذا أنا؟! ضال بائس، يبحث عن أمنه، على صدر امرأة، وبين فخذيها!! حليمة، أيتها المجرمة، لا تحاولي أن تمنحي نفسك قيمة، في وجودٍ لا قيمة له. أيتها التافهة، جعلتِ من سامي، المتهتك، المستهتر، فليسوفاً. هل أنا ماجن؟! ماذا يكون الفيلسوف إذن؟! العالم ضحل، وغابة، وأنت أيتها العاهرة القبيحة، وحش يفترس الضالين مثلي! ما أغباني! ماذا تختلف هذه الكتلة من الشحم واللحم، عن غيرها؟! هل يفرز فرجها عطراً؟! فروج النساء كلها تفرز روائحها الكريهة. أف. كل النساء كريهات. فروجهن مقززة. وشريرات. ما أغبى أولئك الذين يعتقدون أن العالم سيكون اجمل لو حكمته النساء! العالم قبيح، من أوله إلى آخره. والنساء أقبح ما فيه. لماذا تركتني أمي؟ هل يحق لها أن تفعل ذلك، لأن أبي رجل يسعى وراء إشباع شهواته؟! هل أبي مخطئ؟! كلا، هذا العالم غابة. والنساء فيها تريد أن تمتلك رقاب الرجال، وتصادر حريّاتهم! قاسيات القلوب. هل الحب هو أن نصادر حرية من نحب؟! الحب شهوة، أنا أشتهيك أيتها العاهرة؟ كلا، لستِ عاهرة! العاهرات هنّ أشرف أهل الأرض! ليتك كنت عاهرة، سيكون قلبك مملوءا بالرحمة! العاهرة وردة الله في مز بلته. حليمة من مز بلته! حليمة شوكة في حلقي. القميئة تتحداني! كيف أقهرها؟! إنها تدفعني إلى الهاوية! يملؤني إحباط غليظ ومعتم. العالم أسود. أنا ابن رجل لا يوليه الناس احترامهم. يستقبله كثيرون بابتسامات زائفة، لكنهم يلعنونه، بعد أن يقضوا حاجاتهم منه، أعيش أنا وهو في عالم يمجّنا. هل تمجّني حليمة بسبب أبي؟! سماح، هل تحتقر حليمة أبى؟ هل تعرف أن أبي، تحوّل إلى قواد وعمّيل للاحتلال الإسرائيلي، بعد أن كان يعمل ماسح أحذية في مستهل حياته؟! لو حدث ذلك، فستقع كارثة. حليمة تمتلك من الجرأة، ما يكفي لفضح تاريخ الإنسانية بكامله! الفتاة التي تقابل الرجال، وتجلس إلى جوارهم، وهى عارية، ومتمنّعة عليهم، بطهارة قديسات، تستطيع أن تمزق وجه الكذب الذي يرتديه التاريخ كله، والذي يرتديه أبي. ستدفعنا حليمة، إلى عراء يكشف حقيقتنا. هل تحدثتْ معك حول ذلك؟! هذا يصيبك بطعنة في القلب أنت أيضاً يا سماح…”..

صمت سامي. انقلب على جنبه. سماح تستلقي على بطنها. وجه سامي نحو الحائط. يحملق في المدفأة الكهربائية الضخمة، التي تعزل الحجرة عن البرد القارس في الشتاء المقحل. يتحدث سامي في سريرته:

“أنا شتاء قاحل أيضاً. تُرى، هل تعرف حليمة أن سماح أختي من أبي، وأن أبي ذبح أمها، بتواطؤ مع الخادمة، التي قبلت أن تجهض حملها، من أبي مقابل مقدار كبير من المال… أمّ سماح رفضت أن تخون الله. الذبح للشرفاء. ما أغباها! الخادمة،  تنافس الآن أبي في السوق. كيف علمت بأمر الحفلة؟! أنا نسيت أن أدعوها! إني اشتهيها! لكن، هل تطفئ أربعينية، ممتلئة، نار جهنم السوداء التي توقدها حليمة في أحشائي؟! هل تطرد امرأة خانت أمومتها، جنوني الذي يتحداني للإبحار في نكهة أفريقية تشتعل ببراءة الأنوثة؟!”.

بقرف، قذف سامي منفضة السجائر المثقلة بحملها، إلى ما فوق طاقتها. سعل. دلق جرعة صغيرة من الخمر في حلقه. انقلب نحو سماح، قال بهمس مجروح: “هل ترغبين في العودة إلى شقتك؟ الساعة الآن الثالثة صباحاً”.

قال، بعد وجوم، بينما سماح لا تزال تستلقي على بطنها: “ولكني أخاف أن تتركيني!”.

انقلبت سماح، دفن سامي رأسه في صدرها. تمتم: “لماذا تركتني أمي فريسة الضياع؟!”.

رفع رأسه وصوته معاً، قال: “الرجل يبحث عن أمه، في كل النساء”. أضاف في سريرته: “حتى في أخته!”.

“سماح، دعيني أغرق في ماء شهوتي. هلمي نسقي حياة تنمو في أحشائك”. أضاف بقنوط: “أمّا في صدري المتعفن، فإن الحياة تذوي”.

“سماح، هل لا يزال إيمانك بالله راسخاً؟!”، سأل كما لو كان غريقاً. تابع: “لماذا نحمل أوزار شهوة أبينا آدم وأمنا حواء؟ أخبريني، هل تزوج النبي من امرأة زنجية؟! هل قرأت في الصحف عن نبي جديد يدعو الناس إلى الدفاع عن حقهم في البهجة؟! مجنون!! قالت صديقات لي، زعمن أنهن إلتقين به، إنه مجنون، ولكنه يزعم أنه أمتلك جوهرة الحكمة. نحن أمة تؤمن بالموت، لا بالحب والحرية. قولي لي: هل تعلمتِ في الجامعة، أن الجنون شرط ضروري لكل نبي؟! لماذا لا تجيبيني؟! هل تملّكتك روح حليمة، هل غدوتِ تحتقرينني مثلها؟! دعيني أفرغ سمومي في بئرك. لماذا لا تزالين تلوذين بالصمت، منذ كنت في الحفلة، رغم أنك ثرثارة ورعناء؟! هل ألجمك غياب حليمة؟! من أين جاءنا هذا البلاء المسمّى حليمة؟! أبي هو المسئول. ما أغباه! هل نال منها شئ؟! هل تحتقره أيضاً كما تحتقرني؟!. أتوسل إليك، هل تعرفين لماذا تحتقرني؟! أصارحك، وأنا أستطيع الآن أن امتلك القدرة على المصارحة، الناس وهم عراة، أقرب للصدق، الرجل وهو في محراب مرأة، يجب أن يكون قديساً؛ أنا وأبي جديرون باحتقار حليمة لنا. سماح؛ سماح يبدو أنني غدوت نبياً، إذا كان النبي هو المجنون، فأنا أستطيع الآن أن أعلن أنني نبي. حليمة جعلت مني نبياً يطرح عنه أكاذيبه، وأكاذيب أبيه. هل قرأتِ أن الله أرسل نبية زنجية؟! دعيني أضاجعك! لماذا تهربين من تلبية طلبي في هذه اللحظة التي فيها تطحن المنون كل شيء؟! أنا أعوم على ظهر موج، يتقاذفني رعب قاهر. خذي بيدي، امنحيني نفسك في هذا الليل الموحش. هل أصبحت مثيراً لاشمئزازك؟!  لا تخافي مني. لماذا تنكمشين على نفسك؟! أنا لا أهذر. أنا نبي سكران. وهذا وجهك هالة من نور. جلدك أسود، لكن قلبك أبيض. هل قرأتِ قصيدة يتغني بها مجنون بقلب أنثوي أفريقي أبيض؟! هل قرأت الكتاب الليبي الأخضر؟! زعيم الجماهيرية العظمى يتنبأ فيه، بأن المستقبل لأفريقيا؟! قيل عنه إنه مجنون. يجب أن يكون كذلك! الحالم مجنون. سأبقى أحلم بها. أرجوك، قولي لها إنني لست بشعاً إلى درجة ميئوس منها. تحت وقاحتي، لا يزال نهر الفطرة الجميل البريء يتدفق! أليس كذلك أيها الجنين المتوّج ملكاً في أحشائك يا هذا الجسد العاري، الناضج بالشهوة، في هذا الليل العقيم، أيها الجسد الملاصق لي، البعيد عني، كما حليمة؟!! أيها المجدول من شوق الإنسان القديم المتجدد، حليمة جعلتني حكيماً يطرح أسئلة كبرى. أشكرها، والمجد لها نجمة عتمتنا السحيقة. سماح؛ هل من يطرح الأسئلة الكبرى، يكون فارغاً؟! هل أمسكتُ بالحقيقة؟ هل ثمّة حقيقة؟ هل حدثتك حليمة عن وجود حقيقة في بلاد أجدادها؟!”.

هوى في غفوة قلقة. فاق بعد ساعة. أشعل سيجارة. شفط نفساً عمّيقاً. جلس قريباً من سماح، التي كانت تركت مكانها في الفراش، وتربعت قبالة المدفأة. دنا منها أكثر. رمى ذراعه على كتفها. قال بهمس، وعيناه تحدقان إلى الأسفل: “طافت بي رؤى المنام، بين صحارى أفريقيا، وغاباتها”. كانت عينا سماح، شاردتين مع ذبابتين تتسافدان. تساءلت في سريرتها: “هل هذا هو موسم تكاثر الذباب؟”. تابعت: “هل للذباب مواسم للحب؟!”. صمتت. شق طنين الذبابتين هدوء الليل العمّيق. تمتم سامي: “هباء تنفثه طاحونة الكذب الكبرى”. أضاءت ذاكرة سماح، مقولة يرددها أستاذ لها:” بهجة الحب إرادة لا تقهرها القيود المرسومة أو المفروضة”.

أطفأ سامي سيجارته. تمدد في الفراش. دفن رأسه تحت الوسادة. تنهد بوجع. قال: “ما أتفهنا!”. جلس. خاطب سماح: “أنا أهْوَن من ذبابة”. تنهدت سماح. قالت بحسرة أنثوية مطعونة: “كلنا!”. اندسّا تحت الغطاء. وجدّفا، كل في بحر نومه.

10

تكوّم أبو سامي، على أريكة، منزوية، في الصالة التي شهدت إقامة الحفل. كان وحيداً. يحملق في الهواء. سحبته إغفاءة، أعلن عنها، شخير مكبوت وخشن دفع مساعدا له كان يجلس بعيداً عنه، إلى أن يخفّ إليه، ويقترح عليه الخروج، إلى مكان يرغب بالذهاب إليه.

دق أبو سامي جرس باب شقة سماح وهو نصف متهالك تحت هموم قفزت، مثل بركان، في صدره، أفقدته تماسكه المعهود.

تلكأت حليمة قبل أن تفتح الباب. وكانت منهمكة في مذاكرة دروسها. “من تُراه يكون الذي جاء إلينا في هذه الساعة المتأخرة من ليل غزة الشتوي الذي يطوي الناس هنا، مبكراً؟!”. تساءلت. وفي العادة، لا يأتي زائر في مثل هذا الوقت، إلى شقة سماح، غير سامي وأبيه. وكلاهما؛ خاصة في مثل هذا الوقت، يدخلان دون حاجة إلى دق جرس الباب.فهما يحتفظان بمفاتيح خاصة بهما، باعتبارهما “أصحاب بيت”.

تحت إلحاح رنين الجرس المتواصل، قامت حليمة لفتح الباب، الذي كان أبو سامي يتكئ عليه برأسه، وإحدى يديه. دخل يترنح، كان لا يزال مخمورا. كانت حليمة، مثل عادتها، عارية، ومضرجة بإغراء أفريقي لا يقوى على مقاومته رجل في الأرض.

رمى أبو سامي شيخوخته المتداعية على كتف حليمة، المكتنز بأنوثة بضّة لها رائحة عشب بري، معجون بنكهة مرأة، تغلى في كيان، تتصارع في حلبته، رغبة شبقة، وإرادة زهد، صوفيتان، في هدوء، يتراقص على موسيقى أمواج، تنتحر، على شاطئ بحر عزة، الجاثم في ظلام يغتاله احتلال عنصري حجري، وجهل وطني حجري مثله، قريباً من المبنى الذي يملكه أبو سامي، الذي تقيم فيه حليمة مع سماح.

ساعدت حليمة، أبا سامي، حتى بلغا الأريكة الكبيرة، التي تحتل الصدارة في صالة الشقة الواسعة، والسابحة في حرارة تشعها مدافئ كهربائية، أسقطت من حساباتها، التفكير في الفواتير الثقيلة التي يجب تسديدها، لسلطة الطاقة.

حاولت حليمة، التخلص من ذراع أبي سامي، التي شددت حصارها حول عنقها، الناهض من جذوره، الضاربة في نهدين، ممتلئين، كأنهما، مؤهلان لإرواء عطش أهالي المعمورة مجتمعين. لفت ذراع أبو سامي الأخرى، فخذي حليمة وجذبها بعنفوان شاب يحترق باشتهاء امرأة يعذِّبه إغراؤها له، وتمنُّعها عليه. دفن وجهه في طراوة ثنيات زاوية بطنها مع فخذين مضمومين، تنفلت منهما ، رائحة رحم أم، يهب الحياة لقانط، يخال انه على أعتاب قبره.

قال بصوت مخنوق: “أرجوك، خذيني إلى  الفراش”. ورفع نحوها عينين فيهما توسلات طفل فقد أهله في لجة تترامى إلى بدايات الخليقة.

جذبها إلى جوراه، فوق فراش سماح. قال بتضرع ذبيح: “ارحميني!”. ردت بحنان تدفق من عينيها: “أنا ابنتك!”. تحدّرت دموعهما معاً، استأذنته لإعداد فنجانين من قهوة النسكافيه، الممزوجة بالحليب، التي يحب أن يشربها، خاصة، من يدها. جذب رأسها برقة. طبع قبلة شفافة على جبهتها. ردّت عليها بقبلتين شغوفتين، على خديه.

 وهي تتجه نحو المطبخ، تعلقت عينا أبي سامي برجرجة ردفيها، المندفعين خلفها، مثل قبة مشقوقة، تعلن تمردها على تاريخ يقمع حرية الإنسان. جمعت شهوة أبي سامي، بقاياها، ومن جديد، فار دمه، وحدثته نفسه أن يلحق بها، وان يباغتها بهجوم من الخلف. لكنه تردد، لظنه أنه لم يكن مع حليمة وحدهما. كان يعتقد أن سماح موجودة في الشقة. ويكره أن يكشف أمام سماح، ضعفه نحو النساء. هو رجل شرقي، تطحنه الرغبة في المرأة، وتطحنه في الوقت ذاته، رغبته في بقاء صورته، كرجل محترم اجتماعياً، خاصة في نظر ذويه، ومنهم سماح، التي لا يستطيع، بينه وبين نفسه، أن يتجاهل أنها ابنته من صلبه. وهو، أيضاً، لا يريد أن يجرح مشاعر سماح الأنثوية، بخيانتها مع صديقتها. “لكن حليمة مرأة مختلفة”، قال لنفسه التي تتحرق باشتهائها.

عادت حليمة بالقهوة، ونهداها يتنافسان في صب البنزين على نار أبي سامي التي تفاقمت، في اللحظة التي دنت فيها حليمة منه، فمدّ نحوها يديه، وضغط برقة على نهديها، ثم ضغطهما بعنف، بعد لحظات من الشرود، أيقظ في ذاكرته، حادث طلاق أمه، الذي عرف أنه تم وعمره عام واحد، والذي نجم عنه، قهره على فطام قسري عن صدرها. أرخى قبضته الثقيلة على نهدي حليمة، التي كانت تحدق إليه، بعيون أمومة مبتهجة، وقال بنبرة معجونة من حزن قديم: “نزعني أبي عن صدر أمي، الذي كنت أرضعه، وأنا بين الصحو والنوم. كان في نوبة من غضب شرس، ولسبب تافه، نشبت نار حقد جاهل، ألقى أبي في أتونها، يمين الطلاق على أمي”.

 وقف أبو سامي، وحضن حليمة بأبوّة، وألقى رأسه على كتفها، وهمس: “تراجع أبي فيما بعد وأصلح علاقته مع أمي، لكن ذلك لم يدمل جرحي النازف، ولم يخلصّني من تلك التجربة القاسية، التي استفحلت، من بدايتها، عندما رماني أبي، في لحظة انتزع الشيطان فيها، الرحمة من قلبه، في قاع حجرة بائسة، وباردة، زلزلها بكائي المفجوع، والمتواصل”.

نهضت من ذاكرة حليمة، على التو، نظرية نفسية، تتحدث عن أن تجربة الفطام، القسرية، والتي يتم فيها، تنفير الطفل من ثديي أمه، وحليبها، مسئولة عن مشاكل نفسية، يعاني منها الكبار، ويقعون ضحايا لها، مثلما يقعون ضحايا تجربة انفصال الطفل عن أمه عند ولادته، التي تنعكس عليه، في مظاهر تتمركز في شعور فقدان الأمن، الذي كان يعيشه في الرحم، أو على صدر الأمومة. ومن مطالعاتها، تعرف أن المعالجين النفسيين الروحيين، يبحثون عن جذور مشكلات المرضى النفسانيين، في مرحلة حملهم، وفي كيفية العلاقة بين الأم، وبين ذاتها، أو بينها وبين البيئة الاجتماعية أو الطبيعة، من حولها. قال لها أحدهم: “إن لحظة جماع الرجل مع المرأة، والتي ينتج عنها حمل، هي لحظة حاسمة بالنسبة للشخص الذي يبدأ في التكون منها. وتُلوّن، المشاعر التي تكتنف، المشاركين في علاقة جنسية، مستقبل وليدهما، بصورة مماثلة، لما عايشاه، من أحاسيس، في لحظة تكوينه الأولى، التي تبدأ، مع لحظة الذروة”. أضاف: “الذروة التي تتم في وقت واحد، لدى الشريكين، اللذين يصلان إليها، وهما في حالة البهجة؛ تؤسس لبناء إنسان، منسجم، مع ذاته، ومع عالمه الخارجي، ومبتهج، خاصة إذا تم دعم ذلك، بتفادي تعريض الرضيع لتجربة الفطام القسري، أو التنفيري”.

كانت حليمة تتذكر ذلك، فيما كان أبو سامي، يتذكر انه وافق بسرعة، وبحماس، على إقامة حليمة مع سماح، لوقوعه الفجائي، في دائرة جاذبية صدر حليمة، له، التي تمازجت فيها، شهوته إلى الأم، وشهوته إلى المرأة الشريكة الجنسية. ويجول الآن في خاطره تساؤل: “هل تنفصل المرأة الأم، عن المرأة شريكة المضاجعة، أو عن المرأة الإبنة أو الأخت، لدى الرجل؟!”.

كاد أن يُلقي تساؤله على حليمة، التي لا تزال واقفة، وديعة، بين ذراعيه الملتفتين، بحنان، حول جذعها. قال لنفسه: “تؤهلها دراستها الجامعية للإجابة عن ذلك. وهي تمتلك أيضاً، إطّلاعاً كافياً، على النظريات المتعلقة بالجوانب العمّيقة في الإنسان، ثم، وهذا هو الأهم، فإنها تمتلك قوة فائقة، على التحرر من القيود الاجتماعية التي تصادر حرية الروح الثقافية والسلوكية”. ولكن، خانته الشجاعة الخجولة، ووأد تساؤله في رأسه.

جلسا في الفراش، يحتسيان القهوة، في صمت تعبث به، خواطر متناقضة، تتصارع في رأس أبي سامي…”تبدو شفتاك، كقطعتين من شيكولاتة أنتجها مصنع رباني”؛ قال بعد تردد. ثم حضن كفها براحتيه، وسرحت عوالجه، بغير هدى. وبحركة لا توجهها الإرادة، إنحنى، ولثم ظهر كفها، بشفتين مرتجفتين، وظل يلثمها. كان في غيبوبة شفافة، حملته فوق أرجوحة زمان مضطرب…

“لماذا لم تعد سماح معك يا عمّي؟”. قطعت حليمة صمت الليل، بهذا السؤال البريء، والذي أطلق في صدره، عاطفته  من عقالها. تساءل، في سريرته، على عجل: “لماذا انفجر شجنه الكظيم، بنبرات صوت أمومي، حنون، يسأله، عن بنت ضائعة في غياهب جريمة اقترفها”… جذبها من ذراعيها، بغلظة، قذف رأسه فوق ثديها، لثمة بأسنانه. صاحت بألم. تخلصت منه بمشقة. غادرت الحجرة. دفن رأسه في الوسادة…  وأجهش ببكاء مكتوم، ثم نهض، أشعل سيجارة، وجلس القرفصاء، وألقى رأسه على ركبتيه،   بعد أن أطفأ سيجارته التي لم يكن قد بدأ يدخنها. وطارده سؤال: “لماذا غاب جميع المدعوين الكبار عن الحفل؟!” وتوزعته الظنون: “ضاعت مني فرصة ثمينة. كان يمكنني أن أحقق ضربة عمري. فسدت الخطة؛ هل يعود ذلك إلى مؤامرة ضدي؟ من تُرى يقف وراءها؟ أعدائي كثيرون. والسوق غابة ذئاب. وأنا متورط بعلاقات مشبوهة. هل كان الحفل معركة تسوية حسابات؟ هل وقع خطأ فني، حال دون حضور المدعوِّين الحقيقيين؟ لم تقع عيناي على أحد من المدعوين الذين أعددت كشوفا بأسمائهم بنفسي. أنا أعرف أنه لا أحد، من معارفي، ولا من أقاربي، ولا من المشتغلين بالتجارة، وتكديس الثروات، يحتفظ بمشاعر ودٍّ واحترام نحوي. أنا موضوع بين أقواس من الشك. والحاسدون لي كثيرون. والجميع يتساءلون عن سبب غناي المفاجئ؛ يقولون: هل كنت عمّيلاً للاحتلال؟ أم، هل عثرت على كنز؟ أم أن الحظ حالفني وطلعت لي ليلة قدر… أم أنني أتاجر بالمحرمات والسموم القاتلة؟ أعرف أن العيون تراقبني وأنا أدخل المستوطنات… العيون كثيرة، ولا أستطيع أن أفلت من تقاريرهم التي يكتبونها عني، والتي تقف وراء أزمة الحبر والورق في العالم.. أنا ذكي، هذا ما يشهد به الناس لي، لكن؛ ماذا يجدي الذكاء لرجل مفضوح العورة مثلي؟! صحيح، أنا لست فريد عصري في الفضيحة، لكن، لن يتردد المتورطون في خيانة شرفهم، من إسقاط دونيتهم الأخلاقية، على الحلقة الأضعف من بينهم. هل أنا ضعيف حقاً؟! ربما! لا أحد ممن أطمئن إليهم يحتل مركزاً مرموقاً! هل هناك من أطمئن إليه؟ كلا، ولا حتى نفسي. أجل، رجل يحيا وفي قلبه تتزاحم وتتصارع ضلالاته وأكاذيبه وخداعه وفساده وتاريخه البغيض، لا يطمئن لأحد، ولا حتى إلى نفسه… حاولتُ ترويج كذبة حصول ابني سامي على وظيفة رفيعة في دوائر السلطة، لكن كذبتي تبخرت، نعم، حبل الكذب قصير؛ لا، حبله واهن! ولكنه سلعتنا الرائجة! ولطالما لجأت إليه، لكن، لماذا خذلني خبثي، هذه المرة؟!”.

يرمي أبو سامي إلى “تبييض سمعته”، على طريقة ما يفعله الذين يجمعون أموالاً طائلة، من المتاجرة بمواد غير مشروعة، أو بأساليب محرّمة، عندما، يضعون، ما حازوه من مال، في حسابات مصرفية، يفتحونها، لدى مصارف، تتساهل معهم. يقول لنفسه: “شعبنا متساهل، ونحن الآن في مرحلة يختلط فيها الحابل بالنابل. وكل وشطارته!!”.

وهو يسعى إلى الحصول على “براءة رسمية”. ويعتقد، أن إشاعة خبر ملفّق، عن تعيين ابنه، في وظيفة رفيعة، لدى السلطة الوطنية، سيكون بمثابة “براءة”، وشهادة بالثقة فيه، هو، شخصياً. وحضور مدعويين رسميين كبار، في الحفل الذي أقامه، لهذا الغرض، ولغيره، سيمنحه “المباركة”، وسيدعم موقفه، وسيغسل وساخته، الظاهرة، أمام الناس جميعاً…”لكن الشيطان يتفرغ لمطاردتي وحدي هذه الليلة”، قال بصوت مسموع، وهو يتجه إلى خزانة الخمور في حجرة سماح…

دلق كأساً في جوفه، ونادى بصوت محبط: “لا تتركيني فريسة بين أنياب خيبتي يا حليمة؛ أينك؟!”.

لم تجبه. كانت غارقة في ذاتها السحيقة: “لماذا غادر جدي الأكبر بلاده القديمة، في أفريقيا، قبل مئات السنين؟! هل فعل ذلك مكرهاً؟!. لماذا انقطعنا من جذورنا؟! لماذا  لاتزال تطاردنا، نحن سود البشرة، عيون، تقول لنا: ستبقون عبيداً؟!”.

وفي ذاكرتها المثقلة بالأسى، قفزت صورة الشاب، الذي ارتبطت معه، بقصة حب، من النوع الجدير بتسجيله في تاريخ الفخار الإنساني؛ كانا قد اتفقا على أن يتوجاه بإجراء رسمي، على يد مأذون. ولكن عاصفة هوجاء دمرت أحلامها النورانية: “لن تتزوج عبدة”، قال أهل حبيبها، لابنهم، مسلوب الإرادة…

ارتفع صوت أبو سامي: “ليلي موحش يا حليمة، هل نضب ما لدى الإنسانية من شفقة؟! أتوسل إليك، لا تتركيني وحدي!!”

يعبث الخمر في قنوطه. انفلت منه صوت أجش، يردد كلمات أغنية غرامية خلعت رداء الحياء.

والخمر، والعذابات التي تشرخه، ووجدانه المضطهد، وخبرة عمر شقية، وقلق من مجهول كأنه غول يكاد يداهمه في ليل بهيم يطبق عليه وحيدا، والإحباط، وليل شتوي دافئ، يتراقص فيه شيطان، بين عيني أبي سامي، وقوام امرأة شهية، كان عارياً إلى جواره، مكتنز بالشبق، وصمت يضرم أنفاسه المرتبكة، التي تضاجع نكهة أنثى، لم يمتلكها من قبل؛ كل ذلك، هزم الرجل، الذي رحل السواد من شعر رأسه، منذ دهر… قال بغيظ، وبصوت مسموع: “إنني أعلن أنني استسلمت لضعفي!”.

بخفّة، أغلقت حليمة باب حجرتها، عليها، من الداخل، وقبل أن يقف أمامه، أبو سامي، الذي انفجرت ثورته، وهو يعالج اليد الخارجية لباب حجرتها، ويطرقه بعصبية، ويصيح مثل طفل، نهض من نومه مفزوعاً، حين اكتشف، أن أهله، جميعهم، نسوا إنقاذه، من حريق شب في البيت، وبدأ يلتهم فراشه: “افتحي! ارحمي شيباً تكالبت الوحوش على بقاياه!”. ردت بصوت يرتجف: “لا أستطيع.. دعني وشأني، أنا عذراء، ونذرت أن أصوم عن الرجال حتى الموت!”.

تفاقم هياجه. تراجع خطوات إلى الوراء، وشنّ بظهره، غارة عنيفة على الباب، الذي انهزم أمام هيجان ثور بشري، تمركز العالم لديه، بين نهدي حليمة، وفرجها. لم يملك أبو سامي، المخمور، توازنه، سقط على ظهره، اغتنمت حليمة الموقف، فرّت من الحجرة، إلى حجرة سماح؛ وقبل أن تُحكم إغلاق الباب من الداخل، بالمزلاج، ومع ارتباكها المرتعب، تمكن أبو سامي، من الوصول إليها، والقبض عليها، ودفعها نحو السرير؛ وبعد أن أطبق جسده على جسدها، وفيما كان يحاول التخلص من بنطاله ولباسه الداخلي، استجمعت حليمة قوتها، وأفلتت منه، وفرت، إلى الشرفة، التي فتحتها، وأغلقت بابها المزجج، بسرعة لا تخضع لمقاييس الزمن المتداولة. هبّ خلفها، وفي هياج أعمى، اصطدم بزجاج الباب، فتهشم، وسقط أبو سامي، على بركة دم، تدفق من جبهته، ويديه…

ضمّدت حليمة، على الفور جراحة. وحضن صدرُها رأسه. غفا. ظلت تراقب دقات قلبه.. وشقّت ضجة مؤذني صلاة الفجر سماء غزة المتدثر ببردها الأزلي!!

ودسّت حلمة ثديها بين شفتيه الهرمتين الجافتين، مثل أمٍّ ترضع طفلاً، فقد الشهية للحياة، فتمنحه حياتها..

وكان وجه أبي سامي، لوحة عليلة، ملبّدة بغيوم ثقيلة بعضها فوق بعض، ترسم تجاعيد بؤس يحكي مأساة قديمة متواصلة…

11

حكى، وهو يهذي، في حضن حليمة، عن طفولة فقدت الأمّ، وعن أب كان يفر من سيف الإحباط، المسلط على قلبه، فيقضي نهاراته، يرعى الماشية، منصرفاً عن العناية بأسرة، وقعت ضحية زوجة ثانية، لم تنجب، فصبّت العذاب على أبناء زوجها، صباً.. كان الأب يهرب من البيت، ليستمتع بصحبة كلبة. كانت الكلبة صديقة الأب الذي يواسيه، في حياته التي اعتزل فيها الناس؛ “تطهرا من وساختهم، وزهداً في دار فانية”، كما كان يقول. ولكن عزلته، لم تكن تمنعه من المشاركة في الجهاد ضد عصابات اليهود، قبل هجرة عام 1948. يقول مجايلوه: “كان ذا شكيمة، وكان مخلصاً”.

وبوجع مفزوع، قال أبو سامي: “في فوضى الرعب، ضللت عن أسرتي، خلال هجرتها، عام 1948، طلبا للنجاة، من موت كان يترصدنا”. كانت عيناه، الذابلتان، في لحظة سرقها من غفوته، تتوسلان إلى حليمة، التي دافعت نعاسها، حرصاً على أن تواصل مراقبتها له، وهو، تحت غلاله شاحبة، مضطرب القلب، تمزق الحسرةُ صدرَه، يتنهد حينا، وتخنقه الحشرجاتأحيانا.

في غزة، جابه الطفل المنسلخ عن أهله، بؤساً، مهيناً، ومتشرداً. عاش بلا مأوى. وكان ينافس المطرودين من وطنهم، بمذلة الضائع، على روث بهائم، كان الجائعون يبحثون فيه، عن  شئ، نجا، من طاحونة الحيوانات، مما تأكله من شعير، كان قليل من مواطني قطاع غزة، غير المهاجرين، يملك ترف القدرة على تقديمه لمواشيهم…

قال بسعادة طفل تهدهده أمه: “كانت بهجتي، تتدفق، كما هذا الحب الذي تمنحيه الآن لي، يا حليمة، كلما حالفني الحظ، بالعثور على قليل من شعير الروث!!”.

تحسس ضمادة رأسه بأنامله. جلس قبالة حليمة، مسح جدول الدموع التي تذرفها.

أشرق وجهها بنورانية ملائكية. غامت عيناه بحزنه السحيق: “اغفري لي. أنا ضحية قسوة الضياع الذي تضطهدني وحوشه! أثق انك تمتلكين قلباً مجبولاً من الحب الرباني الذي لا ينضب له معين!”.

ابتسمت عيناها، وشفتاها. وأطرق، وتابع، بحسرة خجولة: “ذات صباح، كانت أنياب الجوع تمضغني. وكنت أقعي، مثل كلب أجرب، بجانب حائط، كان ينذرني أنه لن يمهلني طويلاً، قبل أن يجثم على عظامي المرتعشة. وفجأة، حطت، امرأة عجوز، من إحدى قرى غزة، حملها الثقيل من الجميز، عن رأسها، التي كانت تتجه إلى بيعه، على دور، يسمح ترف أهلها، بدفع ملاليم قليلة، في كميات وافرة منه. توارت المرأة خلف الحائط المتداعي بين شقوقه، ولم تكن قد انتبهت إلى وجودي. تلصصت عليها، ببراءة طفل، لم يكن لديه ما يفعله، غير منازلة تعاسته الرابضة في جوفه الخائر، وفي ذكريات الأهل المقطوع عنهم. جلست تقضي حاجتها، ودون تحفظ. تمرد صخب الجوع في أحشائي، حركني، قصدت سلة الجميز الضخمة، وقفت في حضرتها المهيبة، مثل عابد  وجل. تناولت بعضاً من ثمارها، لاكته أسنان فتية، وضمير مشوش. هل كنت حينئذ، أرتكب جريمتي الأولى؟! برزت في مخيلتي المضطربة، صورة شيخ الكتاتيب، وهو يعلمنا، أن الله، جل جلاله، أمر بقطع يد السارق! هل كنت سارقاً؟! لا أذكر أنه تحدث عن موقف الخليفة عمر من السارقين في عام المجاعة، الذي رفض أن يقطع أياديهم. فزعت، هل يقطعون يدي؟! لا أزال جائعاً؛ هل أواصل أكلي من جميز امرأة عجوز، قد يكون بؤسها، أعتى من بؤسي؟! كانت يدي ترتعش، وهى معلقة بين صدري وبين سلة الجميز. داهمني صوت المرأة، وهي تشتمني من بعيد: “يا أبن الكلب، والله لأذبحك!”. دفعني الرعب منها، ومن درس شيخ الكتاتيب القديم، إلى الاصطدام بالسلة، وأنا أطلق لجسدي الواهن، حريته التي خلقه الله منها… تلقفتني شجرة قريبة من مسرح الحدث، لا أدري ما اسمها، كثيفة الأغصان، شاهقة الهامة، لفني حبها..

كانت السلة ذات الفوهة الواسعة، والقاع الضيق، المخنوقة بفقر العجوز، قد مالت وكما لو كانت تفعل ذلك بتواطؤ مع بؤسي؛ ساح حملها على تراب، نهض هو الآخر، فخالط كل ثمرة، من ثمار عجوز، أخالها ماتت بالسكتة، وهي تتقهقر، من غزة، بخيبتها؛ ولا أزال حتى اللحظة، لا أفهم؛ ما الذي دفع المرأة، إلى أن تعجن حملها، بالتراب، وهي تدوسه بأقدام زلزلتها عصبية بركان، كان ينتظر الانفجار، منذ بدء الخليقة؛ أو: منذ صار الظلام سيد الموقف في الحياة الإنسانية؛ لماذا فعلت ذلك، وكان في مقدورها أن تنقذ من جميزها، شيئا، يقلل من خسارتها الفادحة؟!”.

نظر إلى حليمة، قال بنفس مضرجة بالأسى البعيد: “دموعك أغلى من أن تذرفيها حزناً على رجل مثلي!”.

وانتحب بصمت، فيما كان يتذكر تلك اللحظة، من ليل بهيم، عندما اكتشف أنه يتبع قافلة تتجه، من قريته، وسط فلسطين، إلى الجنوب، لم تكن أسرته بينها.

“هل يعني ضياع طفل، بداية مشروع خيانة؟!”. سأل بصوت خفيض، وهو يطأطأ رأسه.

حظي برعاية القافلة، إلى أن وصلت غزة. “الضياع في دمي؛ هل ورثته يا حليمة؟!”. استدرك:” أبي لم يكن كذلك. هل يضلّ مجاهد؟!”. اغرورقت عيناه بالدموع:” هاجرت أسرتي إلى سوريا. مات والداي ولا أدري شيئاً عن مصير شقيقاتي وأشقائي. لماذا خلق الله اليهود؟!”.

وعاد يتساءل: “لماذا لم يحضر مدعوون كبار إلى الحفل، لماذا لم تحضري أنت أيضا أيتها الفتاة النبيلة؟!”. حدّقت فيه، فقال بنبرة فيها اعتذار: “كان حضورك سيشرفني. لكن، الحمد لله، أنك لم تفعلي ذلك؛ أنت أطهر من أن تشاركي في مثل هذا الحفل”. أطرق، وتابع بمرارة: “وأبي أطهر من أن يكون أبا لضالٍّ فاسق مثلي!”.

“لماذا لم أحاول زيارة أهلي، والالتقاء بهم، طوال السنوات الماضية، منذ صار في مقدوري، أن أتحرك إلى أي مكان في العالم الأجنبي، بفضل ما أملكه من ثروة؟!”. قال، يخاطب حليمة، ويضغط على بطنه الممغوص بحدّة. “هل تستطعين أن تفسري لي، كيف هزمتِ شيطاني يا حليمة؟”؛ أضاف فجأة. وتابع في سريرته: “هل رفضتني لتقدمي في السن؟! كلا؛ نصف شابات غزة، يراودنني عن أنفسهن!  أنا أملك المال، وأملك معه الاستهتار به؛ أملك إغراء كثيرات؛ لماذا لم أستطع إغراء حليمة، التي تقيم مجاناً، في شقتي هذه، والتي أزوِّدها، مع سماح، باحتياجاتها كلها، تقريباً، دون مقابل مادي؟!”. قال لها باحترام يقدمه عابد يتضرع لإله يعبده: “أنت امرأة مقدسة! لماذا لم يخلق الله النساء كلهن مثلك، بجلد أسود وقلب من نور؟!”.

خَلَد إلى الصمت برهة عمّيقة، ثم قال، محدِّثا نفسه: “كنت أرمي إلى تبييض سمعتي بإقامة الحفل، فخاب قصدي. لن أبالي؛ هذه حليمة، منحتني براءة روحية”. رفع صوته: “هل بياض القلوب مُعْدٍ، وسريع الإنتشار؟!”.

إحتضنها بعنفوان عاشق، ضغط رأسها فوق صدره: “يا أمي التي ضاعت مني؛ هل تتزوجينني؟!”.

“أيتها الروح الخالدة، لماذا تلوذين بالصمت.. مثل بدر في صفاء الروح أشرق؛ بدِّدي ظلام نفسي؟!”.

رفع عيناه إلى سقف الحجرة. خفض رأسه. راوده ملاكه على أن يلثم فمها. قمع رغبته؛ قال بعمق: “أنت أشرف النساء، والرجال أيضاً! أجل، المرأة التي انتصرت على حقارتي، هي نداء الله في أرضه!”. لثم يدها؛ انبلج في محيّاها نور الله، كما الأم يرضعها وليدها، ويداعب خيالها، مستقبل تحلم له به. رقص قلبها بهجة؛ قالت بأنوثة دافئة، ريّانة: “الرجل، على صدر المرأة، طفل يستعيد أماً خذلته!”.

صمتت، وتحدثت إلى نفسها: “أودّ أن أجعل صدري ملاذ رجال المعمورة كلهم! لماذا ترتكب النساء جرائم قبيحة، ضد أبنائهن، الرجال، الكبار والصغار؟!”. يزخر قلبها، هذي اللحظة، بحب يسع الغادي والرائح. قالت بروحانية عالية: “بهجة الحب هي الله بيننا وفوقنا”. ومالت إلى أذن طفلها الشيخ، وهمست: “فرج المرأة حوض للأوساخ!”.

 لثم ثديها بجوع مجنون، قال بشجاعة: “سماح ابنتي على الحقيقة لا بالتبني”. خفض صوته، وغمغم: “هل الجنين الذي ينمو في أحشائها، هو ابني أيضاً؟!”

وجه حديثه إلى حليمة: “تمنحني سماح متعة جنسية، مخلوطة بمشاعر لا أعرفها، مع كل من أضاجع من النساء. لديّ رغبة في الوقوف على أسباب ذلك. هل صادفت في دراستك تفسيراً لهذه الحالة؟ تجاربي الجنسية مع سماح عمّيقة، هل يعود ذلك، إلى أن الابنة العشيقة، تتغلغل في كيان الرجل إلى مستويات لا تصلها العلاقات الجنسية بينه وبين عامة النساء؟! أنا أعي، أنني انتهك، مع سماح، المحرمات؛ ولكني في هذه اللحظة، التي أراني حراً من أكاذيبنا، أعترف، ودون إحساس بالذنب، أنني أشعر، عند ممارستي الجنسية مع ابنتي، بزهو وانتصار عظيم؛ كأنني فاتح من مستوى النبي أو الاسكندر المقدوني؛ لا، أنا أكبر منهم، هذا شعوري الذي يخالجني كلما مارست العلاقة الجنسية مع سماح!”.

ملأت الشمس الهادئة، أفق السماء، وقلب أبي سامي معاً. أضاءته بهجة ذابت فيها، سوداوات تراكمت في نفسه. وحملته راحة بكر، إلى نوم حريري، لم ينعم بمثله، منذ كان جنيناً في رحم أمه..

طبعت حليمة، بشغف أموميّ، قبلة على شفتيه. غامت عيناها، وهي تسترجع ذكريات نشوتها، في حضن أب خطفه موت مستهتر، في حادثة دهس، تعرض لها، في إحدى الدول العربية الخليجية، التي كان يعمل بها. ثم انتشى خيالها، بصورة حبيبها عادل؛ ولكنها عادت إلى انقباض، مر على عجل، وهى تستعيد وقوفه، جوار عروسه، يوم زفافه، الذي شاهدته، فيه للمرة الأخيرة. كانت عروس عادل، الذي عارض أهله زواجه من حليمة، صديقة لها.

استعدت للخروج إلى جامعتها. اشتعلت نفسها بالشوق إلى أمها، التي تقيم في الدولة التي قضى أبوها نحبه فيها. هاتفتها. “أود أن أطوي المسافة بيننا، في رمشة عين، وأن أدفن رأسي فوق صدرك يا أمي”؛ قالت حليمة، بنبرة يمتزج فيها الحزن مع الفرح، بينما كانت عيناها شاردتين فوق البحر المترامي أمام نافذتها…

جلست على حافة كرسي مكتب مذاكرتها. دونت: “كانت ليلتي الأخيرة، خضراء”. أغلقت دفتر خواطرها. عادت ففتحته برشاقة، كتبت: “فروج النساء الطاهرات، مزروعة في صدورهن”. وبعد لحظة تأمل، أضافت: “قلوبنا حرية نبدأ منها، ولا تنتهي بنا”.

تسللت بهدوء إلى حجرة سماح، التي كان الرجل يرقد فيها. انحنت لتلثم يد أبي سامي. ابتسم برقة. وقال بحنان أبوي ناعس: “محفظة نقودي في المعطف، خذي منها ما شئت”. وعاد إلى نومه.

دخلت مكتبة الجامعة . طلبت من المشرف عليها أن يساعدها في الوصول إلى كتاب يحمل عنوان: “الحب حريتنا الخضراء”؛ الذي قرأت عنه، في إحدى الصحف، عند صدوره، قبل وقت ليس قصيراً.

اعتذر المشرف، وهو يبتسم لها؛ قال بخجل: “هل نسيت أين نحن؟! ثمّ… هذا اليوم، غير مخصص للطالبات، وغير مسموح لهنّ بدخول المكتبة!”. قالت بصمت: “هذا يوم ذكريّ؛ كلا، كل أيامنا ذكرية!”. تابع المشرف: “الحرية الخضراء، تمارسها المواشي في صحارينا القاحلة، فقط!”.

12

نهضت هند، من فراشها، في وقت مبكر من صباح اليوم التالي لليلة الحفل، بعد سهاد طويل، ومضجر، حرمها النوم.

“اليوم موعدنا، يا سامي، ويا أباه.”؛ قالت بدون صوت، وهي ترتب سراويلها، بعد فروغها من قضاء حاجتها. رشقت وجهها بالماء البارد، على عجل. دخلت في جلبابها الأسود الفضفاض. غطّت رأسها بمنديل أبيض. أعدّت قهوة الصباح لأبيها. لثمت يده، وهي نصف شاردة.

أخذت نساء المخيم مواقعها، يسندن ظهورهن إلى جدران منازلهن، في عادة تبدأ من ساعة اليوم الأولى، مع إشراقة الشمس، وذهاب التلاميذ إلى مدارسهم. وبعدما يكون الرجال، قطعوا الرحلة اليومية، التي يعبرون فيها الحدود الفاصلة بين قطاع غزة، وأراضي فلسطين المحتلة عام 1948… رحلة العمل، رحلة الذلّ والهوان…

وهذا الصباح، كان لدى النسوة، مادة كلامية، مثيرة، ومقلقة: “في الهزيع الأخير من الليلة الماضية، طاردت حارة هند، شاباً تجرأ وقفز من فوق سور، طوله ضامر، يفصل بيته، عن بيت جار له، يخرج قبل الفجر، للعمل في المناطق التي تقوم فيها دولة إسرائيل. قال الشاب لمحقق الشرطة: “أسمع كل ليلة، غنج المرأة جارتي، وأنا عازب، لم أستطع المقاومة إلى الأبد، وليس زوجها وحده هو الرجل!”.

نساء المخيم، كل من مكانها، شكَّلن هيئة محكمة مفتوحة؛ قالت بعضهن: “معذور”؛ وقالت أخريات: “البنات مثل شعر الرأس، لماذا لا يتزوج؟!”.

قال الشاب للمحقق: “أنا ممنوع من العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948؛ ولا واسطة لي، تساعدني للعمل في السلطة”.

لفت نظر هند، خلال سهادها، الليلة الماضية، أن مؤذن المسجد القريب لبيتها، لم يرفع آذان الفجر. كان يطارد الشاب العاطل، الذي أعماه غنج جارته، لزوجها، عن مراعاة حق الجيرة: “هذه تقاليد تلاشت”؛ قال الشاب، للضابط المحقق، الذي صفعه، وشتمه أيضاً: “أنت وقح!”.

لم يفاجئ هند وجود سامي وسماح، النائمين، عند دخولها، إلى استراحة، المكتب الذي تعمل فيه. كانا، لا يزالان عاريين. سامي نائم على ظهره، وسماح على بطنها. قالت هند، في سريرتها، بخبث: “أفطر بسامي، وأتغدَّى بأبيه!”. أضافت، وهي تطرح عنها، غطاء الرأس: “أحتاج إلى وجبة ثالثة!”. تذكرت إمام مسجد أبي سامي؛ سرح خيالها، في مغامرة، مع الرجل الملتحي، الذي أثار شهيتها، بحضوره المختلف، في الحفل، فرمقته بنظرة حولاء، فالتقط الشيخ الستيني، الرسالة بكفاءة. تساءلت هند: “كيف أَجرّه من ذيله؛ هذا الكلب المسعور؟!”. وللتو، التفتت نحو السرير الذي يرقد عليه سامي مع سماح، وقالت، كما لو كانت أنثى أسد، تتربص بالفريسة: “ها أنت قد وقعت في المصيدة أيها القحب. أبوك قحب أيضاً. أنتما تتقاسمان التهام وليمة من فتاتين سوداويتين؛ أنا اللعنة التي صبها الله فوق رأسيكما الشريرين!”.

واستهواها، أن تعرف، لماذا يرغب الرجال في النساء السوداوات؟ قالت في سريرتها: “حتى أبي، الزاهد في الأنوثة، لا يتردد عن إبداء إعجابه بمرأة سوداء، تقيم في حارتنا! ربّاه؛ لماذا لا تأتي هذه المرأة لزيارتنا، إلا عندما تخرج أمي من البيت؟! هل يمارس أبي أيضاً، نفاق الذكورة؟! وهل يعود عشق الرجال البيض البشرة، للنساء السود، إلى ما يربض في أعماق رجالنا، من شعور بالعبودية، يجمعهم، دون وعي، مع النساء السود، اللواتي يعود وجودهن هنا، إلى مرحلة تاريخية، كان فيها السود ضحايا تجارة الرقيق… رجال عبيد، مع نساء عبيد، هكذا تصبح المسألة واضحة… الرجال يسقطون عبوديتهم على نساء كان أسلافهن، إلى وقت قريب، عبيداً!!”.

خلعت حذاءها، وصفعت به باب الحجرة بعصبية. استدارت نحو السرير، وقالت بثقة محارب يعتقد أن النصر معقود له، لا محالة: “أيها الوغد الراقد في خمورك وفي شهواتك السوداء؛ سأجفف هذا الصباح خصيتك، لكي لا تفكر، بعد ذلك،  في امرأة أخرى!”.

تململت سماح لدى شعورها بوجود شخص ثالث في الحجرة. رفعت رأسها المثقل بالنعاس، تصادمت عيناها، مع عيني هند. ابتسمتا معاً، سماح ببراءة؛ وهند، بحقد أنشب أنيابه في صدرها.

نهضت سماح على عجل، وفي وقت قصير، تهيأت للخروج: “يومك سعيد يا هند”؛ قالت ومضت، بعد عناق أنثوي فاتر.

حملقت هند، بشهوة، وبرغبة الانتقام، في قضيب سامي، الذي كان منتصباً، تحت ضغط السوائل، التي تكتظ بها مثانته، مثل صاروخ، يتأهب للانطلاق. راودت هند، فكرة شيطانية: “أرغب في قطعه! ترى، ماذا يساوي، لو فقد قضيبه؟! هل يزيد الرجل عن المرأة، بشيء أكبر من قضيبه؟! هل الرجل يزيد عن المرأة فعلاً؟! أكذوبة سأبددها الآن!”.

خلعت ملابسها. تمددت جوار سامي الذي يغط في نوم كثيف. داعبته بقبلة خفيفة على فمه الفاغر. لم يحس بها، قالت بنعومة مصطنعة: “ما طعم الرز بالحليب الذي تأكله مع الملائكة؟! هل هو ألذ مما تصنعه نساء المخيم لأطفالها؟! تُرى، هل للملائكة أطفال تتبارى في لحس قاع طناجر الرز بالحليب كما يفعل أطفال مخيمنا البائسين؟!”.

لفّت كفها قضيبه، الذي لا زال منتصباً، وهمست: “أفهم الآن، لماذا تحملق نساؤنا في مئذنة المسجد؛ معذورات! الكحول، وغذاء ملكات النحل، والدجاج المشوي، والكافيار، أشياء يسمع عنها رجالهن، ولم يعرفوا مذاقاتها؟! ما أسعدني! هاأنذا، مع رجل من صنف ذكري له قضيب نافر!”. يطوف النعاس برأسها: “لديَّ متسع لذلك، في برودة حجرتي. هذا الوقت للبهجة مع شاب وسيم!”؛ قالت، تخاطب نفسها. أضافت، بصوت ذي نغم ذكريّ: “كلا، اليوم يوم الملحمة!!”.

تتكئ بساعدها على صدره؛ يتململ؛ تهمس بغنج: “ما لدى الملائكة من حليب نفد؛ لن يكون لديها منه اكثر مما لدى هيئات المساعدات الدولية التي تمدنا به… الذي يشتريه أبوك، بثمن بخس ويبيعه، بأضعاف ما يشتريه.. ما رأيك، هل أعدّ لك طبقاً من الرز والحليب، باستخدام حليبك الطازج؟! والرز؟! أتصل بأبيك ليرسل لي شوالا منه؛ أو: أحلبك، من الآن، وحتى يأتي أبوك، عند الظهر، ويُحضر الرز معه؟ ها..ها..ها..؛ هل تسمح لي أن أبدأ؟! كلا؛ لست بحاجة إلى طلب الإذن منك. أنا تحررت من حاجتي إلى الاستئذان من رجل، لأداء عمل ما، منذ أن فضضتَ بكارتي، بوحشية مستهتر ومتعجرف. حتى أبي، لم أعد أستأذنه، عند خروجي من البيت… رباه؛ اغفر لي، نسيت أن أترك لأبي نقوداً ليقضي بها حاجة البيت لهذا اليوم! أنت المسئول عن ذلك، أيها الوغد الراقد في حضن امرأة تجتاحها رغبة شرسة، لذبحك”. تمددت فوقه. تململ قليلاً؛ قال وعيناه مغمضتان: “صباح الخير يا سماح”.

طبعت على عجل، قبلة خفيفة على شفتيه. ضغطت صدرها على صدره. دست ذكره بين فخذيها. أحاطت ذراعاه خصرها، قال بنبرة نعسانة: “أشعر أن بطنك قد ألقت حملها. هل ولدت قبل الأوان؟!”.

“لا يزال الجنين في أيامه الأولى. لا خوف عليه”؛ قالت هند في سريرتها. همست: “جنين؟! هل يغرس هذا المستهتر الشرِّير زرعا مثمرا؟! هل أبقت عربدته النسائية المتواصلة، شيئا من ماء الخصب لديه؟!”. تنهدّت، قالت في سريرتها: “النساء في مثل عمري، ولَدْن دزينة من البنات والبنين”. ضغطت بطنها فوق بطنه. مازال يغمض عينيه. قال باستسلام: “افعلي ما شئت”، وعاد يجدّف في نومه…

راودت هند الرغبة في لثم فمه. دنت منه. تراجعت وهى تقول بتأفف: ” نتن!”. لثمت عنقه، غرست أنيابها فيه. صرخ: “آخ”؛ لم يفتح عينيه، دفع رأسها عنه، بإحدى يديه، وبالأخرى، جذب وسادة، دفن رأسه تحتها. غرست أنيابها في صدره بشراسة. أطلق صيحة تَوَجّع مكتومة من تحت الوسادة. قال بنزق نائم مغيظ: “ماذا دهاك يا سماح، لم اعهد ذلك منك، من قبل؟!”. انفجر شيطان الغيرة فيها، غرست أنيابها بقسوة أشدّ شراسة في بطنه. وبحركة سريعة، دسّت قضيبه في فرجها؛ فكتم صيحة انطلقت منه. كانت بركاناً يقذف حممه، أحاطت عنقه بكفيها، فيما كان هو يضغط الوسادة فوق وجهه. ضغطت على عنقه؛ راودتها الرغبة في خنقه. أرخت كفيها. واصلت معركتها في المنطقة الوسطى. سال ماء غزير منها. دفع يده بكسل إلى ثدييها، قال بضجر: “إنهما أصغر مما كانا قبل!”. قالت في سريرتها، بحنق:”لا تزال تواصل إهانتي أيها الوغد!”. عادت إلى عنفها. قبضت كفُّها قضيبَه بقسوة، أخذت تعلو وتهبط، بحركات مجنونة؛ فلتت من وعيها. أخذ يئن، قال: “لم تكن عانتك خشنة وقصيرة؛ ذبحتيني، ارحميني برب السماء!”. ونهض دفعة واحدة: “أيتها العاهرة”؛ قال باشمئزاز، أضاف: “قحبة وتستطيعين أن تفتكي بمائة رجل في الفراش”. صفعها. هجمت على خصيته، صرخت: “لن تفلت مني أيها الحقير، يا سليل الدعارة”. غرزت أنيابها في قضيبه. صاح بألم. ضغطت كفاه على عنقها. ضغطت كفاها على خصيته. علا صياحه. قال بتوسل:”أنا تحت أمرك!”. “استلق على ظهرك”؛ قالت بحدة آمرة. دلكت قضيبه الذي كان قد ارتخى بقسوة، وعندما استعاد نصف انتصابه، جلست فوقه، ودسته في فرجها، وهي تقبض عليه بعصبية. كان يتلوى من الوجع، ومن الإحساس بمهانة رجل تغتصبه امرأة. نفدت قدرته على الاحتمال. استجمع بقايا ذكورته؛ صفعها بقسوة، دفعها عنه، جلس، لم يترك الفراش. دارت رأسه، هوى مستلقيا من جديد. سامي مهدود الحيل؛ قامت، جلست فوق رأسه، وضعت مؤخرتها فوق أنفه، ثمّ هوت بوجهها فوق قضيبه، وأخذت تمصّه بشبق وحشي ومنتقم. أطلق صيحة استغاثة، وبنبرة محبطة، قال: “رحماك يا حليمة!”. استشاط غضبها. غرزت أنيابها في قضيبه، التفتت إليه بازدراء، وقالت بغيظ حقود: “العبدة القبيحة، قضت ليلة حمراء في حضن أبيك الكلب مثلك”. جذبها من شعرها، وصرخ: “حليمة أطهر منك أيتها الزانية، وابنة الزانية”. ردت: “أنت معتوه. كنت معهما، ولم يخجلا أن يتضاجعا أمامي، طوال الليل!”. قال: “خسئت؛ ما أكذبك!”. أضاف في سريرته: “إذا كانت حليمة ترفضني، فهل تقبل مضاجعة رجل أكبر من أبيها؛ ترى، هل تحبه؟!”. حاول النهوض مرة أخرى. حضنته بذراعين قويين؛ ألقته على ظهره: “لن أدعك تفلت مني، قبل أن ترد لي اعتباري، أو أقتلك من خصيتيك”، قالت بهياج امرأة مذبوحة الكرامة. توسّل إليها أن ترحمه: “ليس بمقدوري أن أفعل شئ، أعدك، أن أمنحك ما تريدين، في وقت لاحق!”. قبضت كفاها، بتصلب ، على قضيبه المرتخي، ضغطت عليه بقسوة، وجذبته، وهى تصيح: “سأقطعه!”. استجمع احتياطي قواه، التي تدّخره قوة الحياة في حساباتنا لديها، فتمنحنا إياه حينما يداهمنا الخطر الشديد؛ دفعها، سقطت عن السرير، نهض بسرعة البرق. لكنه فشل في الإفلات من قبضة كفيها على أسفل ساقه. إرادة الانتقام لدي هند، أسرع من حركة هروب سامي من الحجرة. هوى. سقط فوق المدفأة التي كانت لا تزال مشتعلة. صاح بذعر. أنكمشت من الذعر. انفجرت في نوبة من البكاء والضحك، في حالة من الهستيريا.. وعندما استعادت سيطرتها على نفسها، وكان سامي قد فرّ من المكتب، قالت بصوت منهوك: “ما أجملك يا بهجة الانتقام!” تابعت بنبرة استهزاء: “الغبي؛ نبي الزمن القاحل، يزعم أن للبهجة مصدر واحد، هو الحب! خزعبلات؛ ولو أن الله يهديه، فسيكون أحد أتباعي.. هه،هه.. سأصلي له، عسى ربّتي أن تفتح باب التوبة له، وتقبله في حياضها”. وفيما كانت تدافع هجمة نوم تشتهيه، تذكرت أنها قرأت عن نبي جديد، يتحدث عن العلاقة الجنسية بين الرجل المرأة، حديثة عن التصوف. وقبل أن تهوي إلى قاع النوم، قالت: “إذن، أنا من أتباعك أيها المجدّف في بحر ظلامنا!”.

13

بعد ساعتين من نوم حريري، ظلت محرومة منه، منذ جرى ذبح شقيقتها، قامت هند، بتثاقل؛ لكن، بنفس تخففت من عبء كان يضطهدها ويرهقها. قضت وقتاً ممتعاً، وطويلاً، في بانيو الحمام، بعد أن ملأته بماء دافئ. ثم ارتدت ملابسها كاملة. تزينت بوقار لم يخلُ من إثارة هادئة. كانت تستعد لمجيء أبي سامي، الذي قالت عنه في سريرتها: “إنه دسم، وصيده سهل!”.

يعيش أبو سامي بلا زوجة، منذ انفصل عن أم سامي، بعدما اكتشفت علاقاته مع كل من أم سماح، والخادمة التي كانت تعمل في بيتهما. الأخيرة هي الأربعينية الممتلئة، التي حضرت الحفل، والتي شعرت هند، تجاها، بنفور، من النوع الذي ينشأ بين نساء، يخضن حرباً، للفوز برجل يتنافسن عليه.

منذ لحظة دخول المرأة الأربعينية، الصالة التي أقيم فيها الاحتفال، وهند، تحاول مداراة غيظ، استبدّ بها، تجاه هذه المرأة، التي شغلت بال هند، بقلق، والتي كانت موضع شك، لها، تفاقم لديها، إلى درجة دفعتها لسؤال أبي سامي، عن مغزى نظرات، كانت -الأربعينية الممتلئة والمتبرجة- ترسلها نحوه، بعيون، فيها شبق قديم. وعندما أعرض أبو سامي، عن تلبية رغبة هند، التي أعربت عنها، برعونة، كانت تحاول، أن تلفها بتصنّع عدم المبالاة؛ قالت هند، في سريرتها: “ماذا سيكون غرضها غير الإيقاع به، فريسة في بيت الزوجية؟! فماذا تريد امرأة من رجل في مثل سنه، وله مثل ثروته؟!”. وبإصرار، أضافت: “لن يكون لامرأة سواي! يجب أن أتزوج منه، ليصبح الانتقام من سامي، في مقدوري.. سأجعل من ذاك المستهتر أمثولة يتّعظ بها كل الرجال… تفضّ بكارتي مثل متوحش، وتبصق في وجهي؛ سأذيقك المر أنت وأبيك معاً، أيها الزنديقان اللذان يلوك الناس سيرتكم، بقرف. ولكنني لن أكون مبتذلة، مع أبي سامي، عندما يأتي اليوم. سأجعله يقع في إغرائي، كفتاة محافظة. المستهترون لا يُقدمون على الزواج من نساء مستهترات مثلهم. الرجل العربي، يمنح نفسه الحق في أن يمارس دعارته، مع نساء الأرض كلهن، ولكنه يبحث عن المرأة، التي لم يشمّها أحد! أوغاد، كل الرجال أوغاد! ومغفلون أيضاً! يعيشون على الوهم، وعلى النفاق؛ إنهم واهنون؛ ولن يصمد أقواهم، أمام امرأة. هذا الصباح، مرّغت أنف سامي في وحل كبريائه الزائف! هذا اليوم، سأسحب أباه، من أنفه، ورائي! ومثلما أطلقت ريحي الكريه في وجه ابنه، سأجعل هذا الريح، هواءهما وشرابهما وخبزهما! ستركع أيها العجوز تحت أقدامي؛ ويا ويلك يا سامي، من زوجة أبيك، ستجعل من إذلالك المتواصل، رسالة مقدسة لها! سأستولي على ثروة أبيك كلها، سأطردك من عالمه؛ يليق بك أن تحيا مشرّداً، وأن تعود إلى النقطة التي بدأ أبوك منها، يا سليل الضياع! أبوك، سيدفع كل ما يملك، لإمرأة تملك لساناً رطباً، وقلباً مخادعاً في صدر امرأة تُتقن تمثيل الأدوار! الله أعطى الرجال قساوة النفس، وأعطى المرأة طراوة الصدر. أبو سامي يحتاج إلى طراوة الصدر؛ أما أنت أيها الحقير، فإنك تحتاج كراهيتي، ونار انتقامي”.

تُضمر هند المفجوعة بذبح شقيقتها البريئة، تحدياً عميقا للذكورة. تساءلت في خاطرها: “لماذا يزغرد قلب أبي عندما يتحدث الناس معه، عن غرامياتهم، وعن صولات أبنائه مع الفتيات؟!”.

وتنهض في ذاكرتها المغدورة، الصورة التي لم تفارقها: “أبوها، وأبناؤه، يذبحون شقيقتها”.”لم تكن تُخفي سراً عني!”. تذبحها ذكرى الواقعة، كلما خطرت ببالها، كما لو أنها تقع الآن: “شقيقتي ضحية ثرثرة غير مسئولة، لاكتها ألسنة نساء المخيم!”.

تتذكر هند، بفجيعة، أن شقيقتها المذبوحة، تحدثت معها، عن إعجاب بريئ، بشاب، كانت تسمع عنه، من كلام أشقائها فيما بينهم؛ لكنها لم تكن قد رأته مطلقاً؛ “ألسنة الحارة المتعفنة، نسجت، من خيالها المريض، ومن شهوتها المكبوتة المظلمة، قصة علاقة بين شاب آخر، وبين شقيقتي. لم يكن هذا الآخر، موضوع اهتمام لأية واحدة منا نحن الشقيقات… لكن القصة المزعومة، انتشرت، مثل النار في الهشيم، بعد شجار بين أمي وإحدى قريباتها، لسبب تافه، كانت نتيجته، جريمة بشعة، ارتكبها أبي، بجهل وعنجهية، وذكورة عمّياء ومستبدة”؛ قالت هند في سريرتها أيضاً: “أبي ذبحنا جميعاً، نحن أفراد عائلته. وذبح نفسه. دمه ينزف كل يوم. يمضي نهاره وهو ذاهل عما حوله. منكمش في ذاته، يتحدث باقتضاب، وجفّت شهوة الحياة في عروقه”.

 يعتزل أبوها الناس. يأوي إلى فراشه بعد أداء صلاة العشاء، مباشرة، ويقضي ليله متقلباً، في نار حطبها من شعوره بجرح عمّيق، يتغذى باستمرار، من غمز، يطعن كرامته، ومن حزن أب، يختلط فيه ندم مقموع، مع قلق لا يبرحه.

لملمت هند نفسها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة في حجرة استراحة المكتب، وحدقت في صورتها الشاحبة، قالت بنبرة واهنة، ولكنها واثقة: “سأنتقم من الذكور؛ سأذلّك يا سامي، ولن يفلت مني أبوك. وسيكون لفضيلة الإمام نصيبه؛ سأنتقم لروحك الطاهرة، أيتها الذبيحة، يا ضحية تاريخنا الأسود المقرف النكد!”.

توجّه أبو سامي من شقة سماح، إلى مكتب ابنه، مباشرة، فلم يمرّ بمتجره. جلس على الأريكة الكبيرة، في حجرة مكتب سامي، بعد أن استقبلته هند، بحفاوة، وبابتسامة فرشت محيّاها، تقلصت على عجل، لتطوف سحابة قلق، في عينيها، وهى تنظر بثبات، لضيفها، الذي بدا شاحباً، ومهموماً… قالت بنبرة أم ودودة: “سأعد لك كوباً من عصير البرتقال الطازج حالاً”. هرولت إلى المطبخ، ومنه، ارتفع صوتها، بحنان أنثوي: “هل تفضل الليمونادة؟ لدينا أيضاً حليب ونسكافيه، مشروبك المفضل يا عمّي!”. رد بوهن مبتهج: “لم أشرب قهوة الصباح بعد!”.

صنعت فنجانين من القهوة، وقالت وهي تجلس على الطرف الآخر من الأريكة، التي انزاح أبو  سامي، إلى طرفها، ليترك مسافة بينهما: “يبدو عليك الإرهاق؛ لم أعهد هذا منك، عساك بخير!”. وأطبقت جفونها، على لحن تنهيدة رقيقة، مغرية بدعوة شفافة، لدى أسيان، بعوالج تبحث عن صدر طري يرقد عليه رأس، أشقاه الدهر طويلاً… تنهد أبو سامي، قبل أن يرتشف قهوته؛ وفي وقت واحد، انفلتت دموع عيونهما قبل أن تبادر هند، إلى استعادة وجه مبتسم، وقور، ودود؛ قالت، بخبث أنثوي ناعم: “حدِّثني عن ليلتك الأخيرة؛ أطردْ همومك، ابتهج، أنت سيد من سادات البهجة، لك قلب شاب تحت هذا التاج الأبيض، الذي يزين رأسك. أحب أن أطمئن. هل قضيت ليلة دافئة؟ هل منحتك حليمة عاطفة حارة؟!”.

افتعلت ابتسامة عريضة، أظهرت أسنانا مصفوفة بأناقة، على فكين، يدفعان شفتيها، إلى الإعلان المتواصل، عن تأهبهما، للاشتباك، بشبق، مع شفاه ذكرية، جوعي للهيب أنثوي خالد.. وكتمت غيظها، بمهارة محارب، يصمم على تحقيق النصر، في معركة، قررت هند أن تخوضها، بدهاء امرأة، طحنها القهر، والحرمان من الأمن؛ قالت بإلحاح طفولي: “ها… أمتعتك؟!”.

أجاب بوقار: “أشعر أنني ولدت من جديد!”.

قالت بمرح مخادع: “سامحني، ولا تعتبر أنني أتطفل عليك، لكن إخلاصي لك يجعلني أهتم بالرجل الذي منحني فرصة للعمل، وللحياة الكريمة التي تحرص عليها فتاة محافظة مثلي. سيبقى جميلك فوق رأسي؟ وأنا أفتخر بك، فأنت رجل، من قليلين، يمتلكون قلوباً ناصعة. واعترف أن من حقك أن تبتهج. أنت رجل، أنت سيد الرجال. ولماذا خلق الله المرأة؟! صحيح، أنا لا أستطيع أن امنح رجلاً، ما يشتهيه من المرأة، إذا لم تربطني به علاقة شرعية. ولكن رجلاً نبيلاً وكريماً، مثلك، سيجد كثيرات يتمنين تلبية إشارة من خنصر يده اليسرى. تحدّثْ معي بصراحة، اعتبرني صديقتك الصغيرة، أو ابنتك التي يسعدها أن تشاركك سعادتك؛ هذا إذا سمحت لي أن أنال هذا الشرف. وأنا واثقة أن شهامتك، لن تحرمني منه!”.

تخلّص أبو سامي من إرهاق جواني كان يكبل نفسه. ابتسم، وحدق في عيني هند، اللتين تعكرتا بسحابة رقيقة، من حزن، مالبثت أن بددت، فيما هي تدنو من أبي سامي، قليلاً… واصلت:”البهجة حق لك، لقد أتعبتك الأيام طويلاً؛ ماذا تعني الحياة، إذا خلت من البهجة. الناس هنا، يعيشون من أجل الموت. الله خلقنا لنبتهج، الله لم يخلقنا للتعاسة، الله لم يخلقنا لنبقى طوال الحياة، رهائن لموت يداهمنا من كل صوب، الحياة حق لنا، البهجة حق لنا… أنا لا أتفلسف. هذه حكمة نتعلمها من الأطفال، هذا درس البراءة البكر، تفكيرنا المتخلف هو الذي يحرمنا من ممارسة حقنا المطلق في البهجة، ولكن…”. راودتها نفسها أن تلمس يده… كبتت ما فيها. خفضت رأسها، وقالت بنبرة تعكس حرصها عليه: “ولكن، حاذر يا عمّي، أن تجعل منك طيبتُك ضحية لنساء رديئات الصنعة، يفتعلن الاحترام لك، والحب تجاهك، فيما هن يخطِّطن لاستغلالك أو الإيقاع بك. هذا زمن يجب أن نبقى فيه منتبهين لما يدور حولنا. الطيبون أمثالك، أهداف لسهام تطلقها نحوك، قلوب مريضة، يطمعون في مالك الذي جمعته بشق الأنفس. أنت لم تصل إلى وضعك الممتاز إلا بعد أن بذلت جهوداً عظيمة، أفنيت فيها عمرك. استمع إلى نصيحة ابنتك المحبة لك، بدون أغراض، لا تستسلم لإغراءات النساء المتهافتات حولك، أعرف أنك أسد؛ البهجة مع امرأة حق لك، ولكن، تدبّر أمرك جيداً، النساء ناقصات عقل ودين؛ والمرأة العربية تتحيّن الفرص للانتقام من الرجال. والنبي صلى الله عليه وسلم، قال: “المرأة تغلب الكريم ويغلبها اللئيم”، أنت كريم، حاذر أن تُسلم شراع قلبك لامرأة خبيثة. أرجو أن لا تسىء فهمي؛ حليمة مثل حيّة التبن. أنا أفهم النساء من النظرة الأولى، وإحساسي لا يخدعني؛ حليمة تخطط لاستغلال طيبتك. استمتعْ بها، لكن، لا تترك لنفسك أن تنقاد خلفها لأبعد من متعة عابرة. إنها عبدة؛ ولا تستطيع أن تتحرر من أخلاق العبيد. سيد مثلك، يحتاج إلى حرة! أعذرني؛ أنا لا أدسّ أنفي في شئونك الخاصة، هذا ليس من حقي. لكني أشعر أن وفائي لك، يلزمني بتحذيرك من عواقب بذل كرمك لامرأة لا تستحقه. النساء لا تزال تعاني من عقدة الدونية، التي هي وراء سخافاتهن، ووراء حقدهن على السادة مثلك. لماذا لا ترحمك هذه العبدة الحقيرة؟ هل نظرْت إلى وجهك في المرآة؟! هل تستحق منك امرأة لا تثير شهوة رجل، أن ترهقك، الليلَ كله؟ أعرف أن نارها لا تشبع، وأن أرْيَحيَّتك تدفعك إلى احترام إنسانيتها، لكن عليها أن تقدر نبلك، وأن لا تفلت لنفسها حبل نزواتها. إنني أفهمها، تريد أن توقع بك في حفرة إغرائها. سوداء! لديها طاقة جهنمية، وتعرف ولعك بالنساء. تخطط، لأن تمتص شبابك بمفردها، تحيطك بسياجها، هكذا تفعل النساء مع رجل يقع في شباك صيدهن. لا أريد إثارة شجونك، أعرف أنك انفصلت عن زوجتك لأنها أنانية، أرادت سجنك في قفصها المنتن الضيق. هل يمكن سجن رجل أسد مثلك؟! لو كنت زوجي، لظللت مخلصة لك، ولو ضاجعت نساء الأرض كلهن. أنت رجل، الحرية حق لك يا “سي السيد”. يجب أن تتعامل الزوجات بهذا المنطق، وأن يعترفن بحقّ سادتنا الرجال بالحرية المطلقة، بما فيها الحرية الجنسية؛ استغفر الله من كل الشياطين، نحن مسلمون! هل تتزوج المرأة أكثر من رجل في وقت واحد؟! معاذ الله! هل ما يحلّ بنا من سخط الله علينا، جاء من شئ قليل؟! للرجل أن يتزوج من نساء كثيرات، هذا حق فرضه الله له. والرجل لا يشينه أن تكون له عشيقات. العرف الاجتماعي يقبل ذلك. بعض الفقهاء الكبار، جعلوا العرف أحد مصادر التشريع الديني. هذا يؤذي الزوجة، لكن عليها أن تصبر، هل تهدم بيتها وتشرد أبناءها بسبب علاقة بين زوجها وامرأة أخرى. مفكر، نصح بأن يمارس الرجال علاقات جنسية خارج إطار الزوجية، هذا نافع للزوج وللزوجة، يدفع الملل الذي يقتل الروح بينهما. هل هذا ارتكاب لفعل الزنا؟ كلا، الدين واسع ورحيم بنا. الزنا هو الفعل الذي يعاقبنا الشرع عليه إذا ثبت بأربعة شهود صادقين؛ هذا شرط لن يتوفر، هل يوجد في الدنيا أربعة شهود عدول لا يُعرف الكذب عن أي واحد منهم؟! والله لا يوجد بيننا نصف واحد لا يكذب! نحن أمة مجبولة من طينة الكذب! سامحني يا عمّي، أنا استرسلت في الكلام دون قصد، النبي تزوج ثلاث عشرة زوجة، عدا الإماء… محمد وحده من امتنا، من أول بدايتها وحتى نهايتها… هو الرجل الرجل، صلى الله عليه وسلم؛ هل يُعقل أن الزناة، سيتركون أربعة رجال لمشاهدتهم وإثبات الإيلاج بالمعاينة؟! ستقول لي: يثبت الزنا بالاعتراف! هأهأ.. هل مازال بيننا أحد يمتلك ضميراً حياً ليعترف؟ ثم.. النبي قال: إذا ابتليتم فاستتروا! ستقول لي: والخوف من الحمل لامرأة غير متزوجة أو لامرأة زوجها غائب؟! حسناً، لدينا جيش من الأطباء يطحنهم الضجر في عياداتهم، فاغري الأفواه، سيهبُّون لنجدة الحامل إذا طلبت إجهاضها، ولفتاة تخشى انكشاف فض بكارتها ليلة عرسها؛ الحمد لله لا يزال لدينا شهامة إذا كان هناك قبض مال!!”.

احتسى أبو سامي القهوة ببطء شديد. وظل يقبض على الفنجان، ويحملق في رسوماته، بعد أن دلق بقاياه في الطبق الصغير الذي أمسكه بيده الأخرى. كان يمنح نصف سمعه لحديث هند. وانفلت نصف وعيه الآخر، شارداً بين التداخلات الفوضوية، في صفحته الجوانية، التي كان يحاول قراءتها، في الفنجان، فتبدو له الصور مشوشة، ومروّعة، تتناثر في انحناءاتها، أشواك وورود…”هذه حليمة”، قال له خاطره وهو يركز عينه في بقعة من القهوة الملتصقة على الفنجان من داخله.. “هل توافق على الزواج مني؟!”.

لاحظت هند شروده الأسيان. قالت بشعور معجون من حنان أنثويٍّ فطريّ: “أنت بحاجة إلى الأنتعاش، ما رأيك في حمام دافئ يا عمّي؟ سيكون ذلك مفيداً جداً لك. وسيعطيك فرصة لنيل الراحة النفسية، وتستطيع أن تركن بعده للنوم. خلال ذلك، سأكون قد طلبت لك طعام الغداء من المطعم الذي تعوّدت أن تأكل فيه. ماذا تشتهي؟ أم تترك الخيار لي؟ جرِّبني!”.

نظر إليها بامتنان، وبامتثال طفل، همّ بالنهوض. وفجأة، دهم إمام مسجده عليهما؛ قال بتلهف: “عساك بخير يا عمّي! راودني قلق شديد عليك لعدم حضورك إلى المتجر هذا اليوم!”. أكمل عبد السميع، وهو يرمق هند، بنظرة مختلسة، وخاطفة: “خمّنت أنك هنا، جئت للاطمئنان عليك، أنت تعرف أنني احمل لك، وداً عمّيقاً!”؛

عاد عبد السميع، للنظر إلى هند، بعينين شهوانيتين فاجرتين، تفضحان رسالة اِلتياع، كما تفضحان دافعه الحقيقي وراء هذه الزيارة. قال بلحن مفخّم: “كيف حالك يا بنية؟!”. رقّق لحن نبرته وأضاف: “هل سامحتني على ما بدر مني من عصبية تجاهك في زيارتي الأخيرة؟! أعدك أنني لن أفعل ذلك مرة أخرى! سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، أوصانا خيراً بالقوارير!”.

وفيما كان أبو سامي، يتجه صوب الحمام، كانت عينا هند، تصفع قلب الشيخ بلهب إغراء أنثوي تأجّج، وهي تدير إليه ظهرها، وتنحني، لتندفع مؤخرتها، فتكاد يداه تنفلت من وقار كاذب مهزوز، لتقبض عليها، قبل أن تفرّ، وهى تحمل صينية القهوة إلى المطبخ، برشاقة، معجونة بالحذر الأنثوي، القابع في قاع النساء التاريخي..

غاب أبو سامي وراء باب الحمّام. وقبل أن يندفع عبد السميع، نحو المطبخ، قررت هند في خاطرها تعديل خطتها: “إذلال سامي بعد الزواج من أبيه، وإذلال أبي سامي،  بالشيخ!”. وابتسمت، ابتهاجا بهذا التعديل، واتسعت ابتسامتها، والشيخ يصيح: “كوباً من الماء، ليرحمنا الله يا آنسة!”. وقبل أن تملأ كوباً بالماء، وهي لا تزال في المطبخ، كان عبد السميع، يقف قبالتها.. مدّ يداه فأمسك يدها، الممتدة إليه بالماء. قالت برقّة: “حضورك بركة يا مولانا!”. دفع رأسه نحوها، ووضع كوب الماء، على سطح الثلاجة، وحاول لثم فمها، فلفّت عنقها، وهي تهمس: “هل أنت مجنون؟ أنا لستُ منهن!”. أضافت بعيون تحدّق فيه، وترميه بغنج: “الصبر نصف الإيمان يا شيخي!”. وداعبت أناملها لحيته، وهي تقول: “مثيرة!”. تنهّدا معاً.. وانطلق عبد السميع، فغادر المكتب، وهو مشوّش ويحترق، ويحدث نفسه: “امرأة تجيد اللعب! ما أشهى امتلاكها!”.

يعرف الناس عن عبد السميع، انه كان أشهر سارق للحُصر من مساجد غزة، قبل أن تُفرش أرضيتها بالسجاد. وكان عبد السميع، المدفوع بفقره، يُسوّغ عمله، بترديد القول الشائع: “ما يحل للبيت، يحرم على المسجد!”. وذات مرة، سأل إمام مسجد: “هل باب الاجتهاد مفتوح أم مغلق؟!”. أجاب الإمام: “الإسلام دين لكل الأزمان، ولذا، فإن باب الاجتهاد مفتوح”؛ فقال عبد السميع، بثقة فقيه، وهو لم يزل في أول شبابه: “تذكر يا سيدنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال في حديثه الشريف: الماء والعشب والكلأ، مشاع بين الناس؛ وأنا، عبد السميع، الفقير لله، أجتهد، وأضيف: وحصير المساجد أيضاً!”. وأضاف، بالثقة ذاتها: “ألا تذكر يا مولانا الشيخ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يفرش مسجده بشيء، وأنه، صلوات الله وسلامه عليه، قال: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار! إذن قل لي، من أولى بحصير المساجد، أطفال المسلمين الفقراء، أم نار جهنم التي هي دار المقام للأغنياء؟”.

يروي معارف عبد السميع عنه، أنه انتقل من سرقة حصير المساجد، الذي كان يوزعه على بيوت الفقراء في مخيمات اللاجئين، مجاناً، أو بشيء من الخبز، إلى سرقة الكتب الدينية، من مصاحف القرآن وغيرها، التي تحتويها مكتبات المساجد المتواضعة. وكان يفلسف ذلك بقوله: “المصلّون في المساجد، لا حاجة بهم إلى هذه الكتب، فإنهم بلغوا مستويات الإيمان التي تضمن لهم الفوز برضا الله وجنّته! ولكن الكتب، مطلوبة لأولئك الذين لا زالوا دون بلوغ درجة الإيمان العالية، التي تدفع المسلم إلى أن يترك متاع الدنيا، ويؤدي الصلوات جماعة في المساجد!”. وكان عبد السميع، يوزع الكتب التي يسرقها، مجاناً أيضاً، أو يبيعها إلى تاجر كتب، بثمن بخس، بعد أن يتلقى وعداً منه، مشفوعاً بأغلظ الأيمان، أن يبيعها (التاجر) بثمن منخفض، ليمنح الفقراء، فرصة القراءة، المحرومين منها، لارتفاع أثمان الكتب، إلى مستوى لا يطيقه شعب قطاع غزة الذي تحيا أغلبيته تحت خط الفقر…

يتساءل عارفو عبد السميع: “هل أقلعَ عن فِسقه، بعد أن منحه أبو سامي وظيفة الإشراف على المسجد الذي بناه، الذي يصلى فيه عبد السميع، إماماً، لنفر قليل جداً من روّاده؟!”. لا زال الغمز دائراً حوله، ولا زال يعتقد أنه “مصلح الزمان”؛ وعندما عيّرته زوجته، بقلة عدد المصلين وراءه، رد باعتزاز: “هذه شهادة لي! فإن كرام القوم قلة تتبع أكرمهم!”.

سارعت هند، بالتوجه نحو باب الحمام، الذي خرج منه أبو سامي، يحمل ملابسه التي جاء بها، ويرتدي جلابية كان يحتفظ بها سامي لاستخدامها أوقات الراحة في المكتب. قالت وهي تهوي على ظهر كف يده اليمني، لتقبيلها، وبأدب، ينمّ عنه، انخفاض عينيها، قالت: “استحماماً بهيجاً لك، يا عمّي”. حاول أبو سامي نزع يده من يدها، وهو يقول بنشوة: “البهجة لنا معاً!”. احمرّت وجنتاها، ورفعت كفّه إلى جبهتها، وقالت: “بعد قليل، يكون الغداء جاهزاً”.

تمدد أبو سامي على السرير. واسترجع ما دار في خَلَده، وهو في الرغوة الدافئة، التي استمتع بها، في بانيو الحمام: “الدنيا امرأة مطيعة، ومخلصة!”. وصمت خاطره، لحظات، اجتاح خياله فيها، تاريخٌ مرتبك من علاقاته بالنساء، فبرزت، بقوة، في نفسه، حليمة في  ليلته الأخيرة؛ فأغمض عينيه، وحمله النعاس، فاستغرق في نوم قصير، لكنه عميق ووصله بالمرحلة الجنينية؛ استغرقه بهدوء، إلى أن استيقظ، وصوت هند الناعم، يداعب سمعه، وأناملها، تتسلل بين أنامله، تدعوه إلى تناول الغداء…

دفعت نصف صدر دجاجة في فمه، وهي تقول بأمومة زوجة: “أنت تهمل صحتك، اسمح لي، منذ اليوم، أن أرعاك كما تفعل ابنةٌ لأب خدعته النساء، وانفضضن من حوله!”. قال في خاطره: “هذا ما أحتاجه!”؛ وتساءل عما لو كان في مقدوره، أن يعترف لسماح، بأنها ابنته فعلاً، وأنه يرغب في استردادها، كإبنة، لتشغل في نفسه الفراغ والضياع الناجمين عن فقدانه لامرأة، تنقذ حياته من خراب يدمِّرها!

وفيما كاد يحسم أمره، ويتخذ قراراً بالزواج من هند، كانت الأخيرة، تبالغ في إظهار عنايتها به، بينما هي تحاول إخفاء قلق جواني ينهشها، يعود إلى ذعرها من احتمال حدوث حمل، إثر وقوع الاتصال الجنسي بينها وبين سامي. افتضاح الحمل، إذا وقع، سَيُرديها في حفرة سبقتها شقيقتها الذبيحة إلى مثلها. قالت في نفسها، وهي في زلزلة تقذف الحمم في قلبها: “سأكون الذبيحة الثانية بين شقيقاتي!”. وراودتها نفسها، وهي تزدرد الطعام، بمرارة، أن تلجأ إلى طبيب للكشف عليها؛ ولكنها جفلت من هذه الفكرة، التي قد تعجِّل قتلها؛ فهي لا تثق بأن الطبيب الذي ستلجأ إليه، سيحفظ سرّها، وعلي عادة الناس في غزة، فقد يثرثر بقصتها، بين زملائه، وقد يضخم الحقيقة، فقد يقول إنها حامل بتوأمين، حتى وإن لم تكن حاملاً على الإطلاق؛ وبسرعة الضوء، ستصبح فضيحتها، خبراً يحتل الصدارة، في النشرات التي تذيعها محطات البثّ البشرية في مخيمها ، التي تعمل وفقاً لنظام الإنترنت، الذي يقدم لمستخدميه خدمات إخبارية، مجانية، لا تلتزم بمواعيد محددة؛ قالت في نفسها مستهزئة، متألمة: “نحن الأمة التي سبقت اختراعات الغرب التكنولوجية المتقدمة بقرون عديدة!”. أفلتت منها ابتسامة، ورفعت رأسها الذي كان مطرقاً، وقالت وهي تقهقه بوقار: “قرأت في صحيفة اليوم أن انتخابات ستجري غداً في بلد عربي شقيق. عمّي.. هل سمعت النكتة التي تقول أن مواطناً أمريكياً، كان يفاخر بالتقدم التكنولوجي الذي أحرزته بلاده، والذي يسمح لها، بتحديد نتائج انتخابات الرئيس فيها، بعد ساعتين من إغلاق صناديق إدلاء المواطنين بأصواتهم؛ فرد عليه مواطن عربي، كان يستمع إليه، بقوله: نحن في البلاد العربية، سبقناكم بمراحل: نتائج انتخابات الرئيس عندنا، معلومة لنا، قبل إجرائها!”.

ضحكا معاً. ولكن القلق استفحل بها: “إذا غابت الدورة الشهرية، فإن أمري سيفتضح؛ أمي، بتعليمات صارمة من أبي تراقب بناتها للتأكد من أن سلوكهن يلتزم بمعايير المجتمع وأعرافه ومعتقداته، وأنا منذ خرجت للعمل، أصبحتُ محلّ ريبة تطاردني؛ ألاحظ ذلك في العيون الذكورية من حولي! رباه، ماذا أفعل؟! لابد من زوج، وفي وقت قصير! أما قضية غشاء البكارة المفضوض، فيمكنني معالجتها؛ ليلة الدخلة، أستطيع إحداث جرح بإظفري، في جدار المهبل، ليسيل دمي، باعتباره دم البكارة؛ ومن السهل أن افتعل تألّمي من عملية الفضّ، وأن أضمّ فخذَيَّ، ليظهر فرجي، وكأنه ضيِّق ولم يدخله قضيب رجل من قبل! مشكلتي هي الحمل! هل سأتفادى ذلك، لو اصطنعت أنني مركوبة، وأن جني يعشقني ويضاجعني، وأنني حملت منه؟! صحيح، إن جهلنا نعمة، لكن أبي لا يؤمن بذلك، ولن يكون أمامي فسحة من الوقت، بين افتضاح أمري، وإعلان شيخ أنني وقعت ضحية لتلبس جنيّ لجسدي، وأنني حامل من الجنيّ الذي يعشقني. وما يدريني أن يقودني حظي العاثر إلى شيخ يُضمر العداء للمرأة، فيضحِّي بي، ويرفض الاعتراف بأنني ممسوسة بالجن؟!”.

وقفتْ، خلف أبي سامي، الذي كان يغسل يديه، تحمل منشفة يجفف بها يديه. تناولها منها، بمشاعر اختلطت فيها ذكرياته المرّة مع زوجته السابقة، مع أحلامه المنيرة، وهو يتخيل هند، زوجة جديدة، لها مواصفات يبحث عنها. قال بحياء شاب تزايدت نبضات قلبه: “لم اكن أحيا قبل هذا اليوم!”؟

ردت: “أرجو أن لا تكون هذه مجاملة يقتضيها الموقف!”.

انفتح قلبه لها، وسقط في هواها، فجأة. وقال في نفسه، وهو يراقب رشاقة حركتها، وهي تحمل الفاكهة إليه: “الحياة من غير دفء نسائي، قاحلة إلا من الضياع والعذاب!”.

أسند رأسه على وسادتين أعدتهما له هند، وهو يتمدد على السرير، وقالت بحنان: “لابد أنك بحاجة إلى النوم. سأتركك، بعد أن تتناول هذه التفاحة. يقول المختصون أن تناول تفاحة في اليوم، يغني الإنسان عن زياراته للطبيب. يهمني أن تحافظ على سلامة صحتك يا…”.

تمنى، في هذه اللحظة، أن تقول له: “يا زوجي”. أغمض عينيه، وقرر الارتباط بها، وهو يبدأ في قضم التفاحة المقشرة، قبل أن يستسلم للنوم. ألقت غطاء زاهي الألوان عليه، وقالت بعذوبة: “نوماً بهيجاً لك”؛ وغادرت الاستراحة وأغلقت بابها بهدوء.

اغتال كابوسٌ هناءَ أبي سامي الذي نثرته، في ثنايا نفسه، نكهة الأنوثة المحبة، التي فاحت من طبخة هند. رأى شبحاً مبهماً، يطارده بفأس، وهو يلهث، فاراً منه، يكاد يختنق… نهض مفزوعا من فراشه، خلع الجلابية وارتدي ملابسه وخرج إلى حجرة مكتب سامي. تنحنح، لإشعار هند بوجوده. كانت تستلقي على الأريكة الكبيرة، تعبث بها الهواجس، وتنزف الدموع من عينيها.. هبّت واقفة، وقالت وهي تجاهد غمّها المرسوم بين حاجبيها: “حالاً، سأعد لك القهوة”.

وقبل أن تغادر المكتب، وقفت أمامه، خافضة رأسها، وقالت بأدب: “هل تمنحني يا عمّي شرف القيام  بتهيئة مناخ مناسب لراحتك في البيت، خلال وجودك خارجه”. أضافت بخجل: “أنا لا أشكك في سمو أخلاقك، وإني واثقة أنك تتعامل معي مثل ابنتك، ولكنك تعرف أن الناس تُضمر السوء، ويهمني أن تظل سمعتك، وسمعتي بعدها، نقية كبياض قلبك الطاهر، وأن تبقى سيداً للرجال كما كنت دائماً!”.

أومأ برأسه، وقال ببهجة قلب طفوليّ أستعاد حضن أمّه، بعد أن ضلّ عنها منذ عهود: “هل تمنحيني أنت شرف زيارة أهلك هذا المساء؟”.

ردّت والحياء يصبغ وجنتيها بحمرته: “مجيئك إلى بيتك الصغير فخر لي، ولأسرتي”.

وانطلقت وقلبها يشتعل ببهجة لم تخبرها من قبل. ناداها بصوت يتألق بالنشوة؛ استدارت، فتقدم نحوها، فاشتبكت عيونهما ورقصت روحهما على لحن الأنشودة الربانية الخالدة… كم لبثا وهما يغرِّدان بصمت؟ لا يدريان!

همست بشفتين خالهما أبو سامي قرنفلتين تنثران جمالاً نورانياً معطراً ببهجة الحب: “أمرك يا..”.

دسّ في حقيبتها اليدوية رزمة من الأوراق المالية من فئة المائة شاقل إسرائيلي، وقاوم محاولتها لإعادتها إليه، فانهالت على يده تقبِّلها، وهرولت خارجة صوب السوق؛ فاشترت فستاناً سماوياً، أنيقاً وقورا، وشبشباً أحمر، وطقمين للقهوة التركية والقهوة النسكافيه، وثالث للمشروبات الباردة، ومعالق وشُوَك وصواني وأطباق، وفاكهة وحلوى، وقهوة بأنواعها، وحليبا، وتسالي، ومنفضة سجائر، وأشياء أخرى من لوازم الضيافة، وتذكّرت، قبل ركوب سيارة الأجرة التي ستنقلها إلى مخيمها، أنها نسيت شراء ورود، وفازة لها؛ فشقّت شوارع غزة، تبحث عن ورود، تليق بفرحتها، ولم تأبه بما سيكلفها ذلك من مال. تريد باقة كبيرة، محمولة في سلة بلون الذهب، من أزهار جميلة، فوّاحة العطر، لتحضن رائحتها الزكية، مخيمها بكامله… قالت لنفسها: “هذا يوم انتصاري الأكبر!”. وتذكرت شقيقتها المذبوحة؛ وظلّت صورتها، تصرخ في وجدانها، حتى وصلت بيتها. حضنت أمها، بكت على صدرها، زفّت هند لأمها، خبر عزم أبي سامي، على خطبتها. بكت هند وأمها، بكاء اختلطت فيه فرحتيهما، بحزن عمّيق، وذبح لا يغادر ماء ولا هواء عائلة هند كلها. “سيأتي هذا المساء، ليطلب يدي من أبي”؛ فالت هند وهي تمسح دموع أمها.

14

بعد مغادرة هند للمكتب، انكفأ أبو سامي، على صمت انطفأت فيه بهجته. ماضيه ذكريات سوداء تنهش حاضره… غاب في الشرود. صرخت جوّاه طفلة سوداء تستغيث. استعاد وعيه المشوش. سأل نفسه: “هل قراري بالزواج من هند يعود إلى ما بذلته لي من عناية واحترام ينتشي به الرجل العربي ، كما لو كانت زوجتي المتفانية في خدمتي، وأُمي الرؤوم أيضا؟! هل قراري صائب، أم هو قرار عجول، لن يصمد أمام الحقائق، التي يخفيها الرجال والنساء، بعضهم عن بعض؛ ولكنها لا تخجل في نهاية المطاف، من الخروج من الحصار المؤقت المفروض عليها؟!”.

” الخروج من الحصار؟!”؛ هذا ما يبحث عنه أبو سامي: “هل يحررني الزواج من هند، من كوابيس حياتي التي تضطهدني؟ أم سيكون هذا الزواج كابوساً جديداً، في حياتي أنا المنفلت الضائع؟ المرأة سجن يخنقنا؛ وحياتنا نصفان: نصف أول نقضيه، ونحن نسعى إلى الوقوع في شرك المعتقل الزواجي، ونصف آخر يقتلنا، ونحن نجاهد للتحرر منه! وأنا المحاصر في كل السجون، أبحث عن حريتي في سجن امرأة فلسطينية، ضيّق وعقيم؟! هل أواصل المشوار مع هند، أم أخذل بهجتها، مثلما يفعل كثيرون هنا؟ّ!،

هند، أيضا، تخشى الخذلان. سألتها إحدى شقيقاتها: “هل تعتقدين أن جادّ يا هند؟”. أجابت هند وهي بين النشوة والشرود: “أظنّه كذلك. قرأت صدقه في عينيه!”. الشقيقة في شكّ من الأمر: “كثيرا ما نقرأ ما نرى، بأوهامنا!”. انتقلت عدوى الشكّ إلى هند. قالت في سريرتها: “العادة هنا، أن ننسى وعودنا، في اللحظةذاتها، التي ننتهي من النطق بها”.

قام أبو سامي إلى المطبخ. صنع فنجانا من القهوة. شرد في ضياعه، إلى مدى موغل في إحباطه، فاق منه، على صوت عنيف، أطلقته ريح تشقّها طائرة حربية اسرائيلية، تنفّذ غارة، اغتالت صبْية كانوا يلهون. فارت القهوة وفارت نار سيئاته. طفحت القهوة فأطفأت نار الموقد؛ فقال لنفسه: “هل تطفئ هند، ناري؟! أَمْ تشحن بطارية ضياعي، فتتأجج النار التي لا تزال تحرقني منذ أوائل عمري؟! شتتني الأيام، فهل تلمّ هند أشلائي؟! أم تُبعثر رمادي بين جحور امرأة تخنق حرية الذكورة؟! أنا بحاجة إلى امرأة تحبني مثل أمي، حملت عبء وجودي، أسلمني حُبها لفضاء الحرية!”. ارتشف قهوته المرّة، واصل حديثه مع نفسه: “الزوجة امرأة تُحبّك طالما أنت عجينة تعبث حريتها بها. الحبّ حرية، ولكنه في عقول نسائنا، شهوة تملّك قاتل. شعار النساء عندنا: أنتَ لي، أو: الموت لك! هل يختار العاقل موتَه؟! أأختار موتي؟! أأنا حيّ؟ هل يملك الحياة رجل يفقد الروح؟! أنا بلا روح! هل تمنحني هند الحبّ فتنفخ الروح في جسدي الخائر؟! رحماك ربي؛ اهدني!!”.

هاتف أبو سامي، استشاريا نفسيا. عرض ما يجول في نفسه، ثم سأل: “اصدقني النُصح!”. “أخرج من قمقم ظلامتك”؛ قال المستشار.

-“سيدي الدكتور، هل تعني أن قراري بالزواج من هند صائب؟!”.

-“من حقك، ومن واجبك، أن تفكر مليّاً، وبهدوء، قبل أن تتخذ أي قرار، خاصة إذا كان بأهمية هذا القرار المتعلق بالزواج. ولكن، عندما تحدد موقفك، لا تتردد لحظة في التنفيذ؛ هكذا تخرج من أزمتك، لا يستطيع أحد، أن يخرج منها بالنيابة عنك. أنا أستطيع أن أساعدك في الوصول إلى قرار، لكنني، لن أتّخذ قرارا بشأنك. اتخاذ القرار، وتنفيذه، شأنك أنت”.

-“أشعر بالتردد. وهذا  يصيبني بالشلل. أنا تاجر؛ جبان في اتخاذ القرارات الهامة، وتنقسم ذاتي بين خانتيّ الربح والخسارة. ارجوك، ساعدني!”.

-“القرار مغامرة، وكل قرار ينطوي على احتمالات الربح والخسارة؛ هناك خيار واحد فقط، أكبر من أن يندرج في خانة الخسارة: الحبّ النوراني. هل عرفته؟ قد يكون ما مرّ بك، قد حجب عنك هذه النعمة الكبرى. أنت بحاجة شديدة وعاجلة للتحرر من ماضيك. الماضي يسجنك في ظلاماتك. هذا داؤك. الحبّ دواؤك!”.

“الحبّ!!”. صمت أبو سامي. وقفز في الهواء، ثمّ دار حول نفسه، كما لو كان في حالة تشبه انجذاب المتصوفين، رددّ ما قالَته رابعة العدوية، وما غنّته المطربة أم كلثوم: “أحبّكَ حبّين، حبّ الهوى وحبّا لأنكَ أهل لذاكا”.

قال الدكتور: “الحبّ يحرّرنا ويطهّرنا”. صاح أبو سامي بعفويةطفولية:”أحبّكِ ياهند!”. قال الدكتور: “أهنِّؤك! أنت الآن في درب الخلاص”. تابع: الحبّ يمنحنا الحرية، وحرية الحبّ هي المُخلِّص. ها أنت تمحو خطاياك كلها”. يعرف الدكتور تاريخ أبي سامي بتفاصيله.  أضاف: ” المحبّون هم الأحرار، والأحرار هم الأخيار يا صديقي! ها أنتَ ولجت المطْهر. ها أنتَ بدأتَ معراجَك نحو عرش. يا محمود سامي، بدأتَ تطَهرك، فانطلق، ربّة بهجة الحبّ تحفظك وترعاك والنّور  يشعّ منك وفيك وحولك!”.

يشترك أبو سامي، مع عائلة هند، في الانتماء إلى قرية واحدة في فلسطين.

وحين انتهى حديثه الهاتفي، مع مستشاره النفسي الروحي، ارتسمت في ذاكرته، بجلاء وحيوية، مأساة ضياعه، في رحلة هجرته إلى غزة، عندما انفصل، في كثافة الظلام والهلع، ونيران الحرب، عن أمه وأبيه. وفي رحلة هروبه وضياعه، ظلّ يحظى برعاية أهل قريته، الهاربين من الموت أيضا، إلى أن وصل غزة،. لكنه فقد الرعاية والحبّ والحنان والاحترام، من ناس سلبتهم ضغوط التعاسة، مشاعر اتتعاطف، بعد أن نضبت موارد الحياة الأساسية، واشتدت الضائقة على المهجَّرين رُغما عنهم.

محمود سامي، مزروع في المأساة، عانى قساوتها، وأدمى شوكُها حَلقه، كما هو حال أبناء قريته، وحال شعبه كلِّه. قال له أبو هند: “نحن ضحايا أبشع جريمة في التاريخ الإنساني. أبو هند، معلِّم تاريخ.

كان أبو سامي يعرف أن عائلة هند، من قريته. ويخمّن، أن هند سليلة أصول، كانت من بين من منحوه الرعاية، بعدما فقد أهله، خلال رحلة الضياع الهارب من الموت.

“لعلّ هذا، يفسر اندفاعك العجول، نحو الزواج من هند”؛ قال مستشاره النفسي.  أضاف: “رغبتك يا أبا سامي بمصاهرة عائلة هند، تكشف حاجتك الملّحة، لاستعادة أحضان ضمّتك، في شدّة هلعك من فقدان الأهل وتهديد الموت. أنت تندفع، من لاوعيك نحو استعادة امتلاكك إلى ما فقدته من رعاية وحب وحنان واحترام”.

يحثّ أبا سامي، شعور بالحاجة إلى استعادة اندماجه في حالة، انخلع منها، عندما سلك طريق الأشرار. تكبر في نفسه، الرغبة الجامحة، للتصالح مع مجتمعه.

فسَق أبو سامي عن معايير الجماعة التي منحته رعايتها في ذروة أزمة نفسية. لم يتجه فسقه، اتجاها إصلاحياً، كما يفعل فاسق روحي. وانحرف، عن خط الشرف الوطني. وتعاون مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة. ووقف وراء نجاح جهاز أمن للعدو، في إلقاء القبض على أعضاء شبكة مقاومة وطنية هامة. وهو لا يزال، حتى هذه اللحظة، يدير عمليات ترويج سلع تموينية إسرائيلية، في سوق غزة، غير صالحة للاستخدام البشري، وذلك بالتعاون مع مستوطنات اليهود التي لا تزال مقامة في قطاع غزة (وفي الضفة الغربية)، رغم قيام السلطة الوطنية فيهما. قال له مستشاره الروحي، الذي هاتفه أبو سامي، قبل توجهه إلى خطبة هند مباشرة: “تعاونك مع الأعداء، المسئولين عن ارتكاب جريمة خروجك من قريتك، وضياعك عن أهلك، وأنت طفل، مما أفقدك حقك الأساسي في الأمن، والحرية، والبهجة، وهي مسائل فطرية، حفرت في أعماق نفسك، وفي غياب رعاية روحية؛ أخاديد مظلمة، وفّرت بيئة لافتراس الشيطان لك، والذي تهاجمك كوابيسه، في صحوك ونومك”, ردّ طارق أبواب التوبة: “نعم، أنياب كوابيسي تنهش قلبي!”.

حكى أبو سامي، لدى زيارة قام بها لعيادة مستشاره النفسي الروحي: “اقتحم ابني، ذات مساء، خلوتي، التي آوي إليها، في مزرعة، اشتريتها، من مال جائني من سبل غير مشروعة، منها ما تقاضيته، مقابل تعاوني مع أجهزة الأمن الإسرائيلي، لتنفيذ عملية للقبض على مجاهدين، نفّذوا عملية عسكرية جريئة وناجحة، ضد اسرائيليين، في موقع قريب من قريتي التي هاجرت منها عام 1948. كنت شارداً بين أنياب رعب يفترسني. وكانت نفسي مشدودة إلى النجوم المتلألئة، في سماء ربيعية صافية. أفزع الرعبُ المحفور في وجهي، ابني سامي. خالني في خطر لا منجاة منه. صرخ في هلع: أبي، ما بك! انتفضتُ في ذعر مجنون. انقضضت على ابني؛ تفلَّت مني، نزفت من عينيّ، ومن قلبي معاً، دموعاً حارقة، حملتني إلى بطن إغماءة، صحوت منها، على صوت مؤذن صلاة الفجر، الذي تسلل إلى عزلتي، من مسجد، أظن أنه مسجد مخيم، شبيه بالمخيم الذي تقيم عائلة هند فيه!”.

“استنهضتكَ الروح فلا تخذلها، أيها الصالح في قلبك!”. قال المعالج، وهو يضغط بحنو على كف أبي سامي، وبحبٍّ مبتهج يسري من يده، ويضئ في عينيه…

15

تعاني عائلة هند، من ضراوة الفقر، منذ أن دفعت ثمناً باهظاً، لإيمان الأب، بما كان يلقنه لتلاميذه، من أن اليهود، الذين احتلوا فلسطين، هم أفْجر وأجهل وأظلم وأضّ وأفسد مجرمي التاريخ الإنساني كله.

ولم تحظ عائلة هند، بحياة باذخة، طوال عمرها، مثل تلك التي يحياها أبو سامي، منذ حدوث الانقلاب الفجائي له، بعد أن ترك مهنة مسح الأحذية التي كان يعتاش منها. ولم يسعف المرتب، الذي كان يتقاضاه، أبو هند، على توفير الرفاهية لأسرة يكتظ بها هواء بيتها الضيق. ولكن مرتب العائل كان كافياً لتوفير معاش الأسرة، المحاذي لخط الفقر، وفقاً لمستوى الدخل العام المنخفض في قطاع غزة، البائس.

تآمرت السلطات الإسرائيلية المحتلة في قطاع غزة، على مدرس التاريخ، في مدرسة لوكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين. لم تواجهه باتهام مباشر، مسبب بما يدافع عنه من معتقدات وطنية، بوسيلة التعبير عن الرأي، الذي تضمن التشريعات العالمية، حق الناس في اللجوء إليها. فالإسرائيليون، كان أبو هند، يقول لتلامذته: “يزعمون أنهم واحة الديمقراطية في غابة الدكتاتورية العربية، ولكنهم في الواقع، أعداء شرسون لحرية الإنسان!”. قال أيضاً: “الديمقراطية عقيدة سياسية ترتكز إلى الأخلاق المؤمنة، بحق الإنسان، كل إنسان، في الكرامة والأمن والبهجة. والإسرائيليون، يعتدون على هذه الأخلاق منذ حرب الإبادة الجماعية، التي مارسوها ضد مواطني فلسطين، التي أرغمت الأهالي الشرعيين، للأرض الفلسطينية (التي كانت خاضعة للانتداب البريطاني، حتى قيام دولة إسرائيل) على الفرار من ديارهم، والعيش في ظروف لاإنسانية. ستبقى إسرائيل وصمة عار في جبين تاريخ الأخلاق الإنسانية، تمارس هجمتها ضد الحقوق الفطرية للإنسان: حق الحرية والأمن والكرامة والحب والبهجة في وطنه التاريخي المستقل من أي احتلال أجنبي مغتصب لأية ذرة من ترابه”.

أبو هند، ردد الفقرة الأخيرة بثقة أغاظت الحاضرين، بما فيهم محامي الدفاع الإسرائيلي عنه، في محاكمته التي عقدها الاحتلال له، بعد القبض عليه بتهمة حيازة مواد ناسفة في بيته؛ كان عملاء للاحتلال، قد أسقطوها، في الظلام الدامس، من فوق الجدار المنخفض للبيت، قبل أن يداهمه المحتلون، ويقتادوا أبا هند، الذي كان يصرخ في وجوههم، وهم يكبلون يديه: “هذه مكيدة حقيرة، مثل حقارتكم، أيها الأنجاس!”.

انزنقت سيارة أبي سامي، في الشارع الذي إنزنقت فيه قبل سنوات، سيارة المحتلين الإسرائيليين، التي حملت أبا هند، إلى معتقل قضى فيه فترة طويلة، والذي خرج منه، أشد صلابة، في موقفه، تجاه إسرائيل؛ الذي يصفه، بأنه موقف أخلاقي، والذي يدعمه، برأي شيخ المؤرخين، وفيلسوفهم، أرنولد توينبي، البريطاني، صاحب الكتاب الشهير: “دراسة في التاريخ”، والذي يذهب توينبي فيه، إلى أن دولة إسرائيل، ظاهرة مضادة لمنطق التاريخ، وان مصيرها إلى الزوال. ويؤمن أبو هند، أيضاً، بتفسير فلسفي، يقول إن إسرائيل، تجسيد لعقيدة الغيتو، التي هيمنت على الوجدان التاريخي لليهود، والتي تعكس إنغلاقاً نفسياً، يترجموه، بعداء مضمر للإنسانية، يمارسوه بالفعل، ضد شعب فلسطين الأعزل. ولازال أبو هند، يعلن إيمانه بمعتقداته؛ ويقول: إن إبرام اتفاقيات فلسطينية إسرائيلية للتمهيد لإحلال سلام، على قاعدة الاعتراف بحق إسرائيل الشرعي في الوجود، والأمن، لا تلزمه بالتراجع عما يرى أنه موقف عقلاني إنساني منفتح، يرفض الاعتراف بشرعية عدوان على حق التاريخ في التقدم الأخلاقي، والتحرر من فكر منغلق وأسود ورجعي، مثل الفكر الذي تبنته الحركة الصهيونية، ولا تزال تتبناه، في الجوهر، دولة إسرائيل.

لم يسمح ضيق شارع بيت عائلة هند، لأبي سامي، أن يفتح باب سيارته للنزول منها. ولتفادي ذلك، أوقف السيارة، بحيث يوازي بابها، الأمامي، الأيسر، باب بيت عائلة هند، المفتوح، لاستخدام فضاء الحوش الداخلي للبيت، مجالاً لحركة باب السيارة، التي أثار مجيئها، دهشة أهالي حارة هند، خاصة النسوة، اللواتي تهامسن، من فوق الأسوار المشتركة لبيوتهن، يتساءلن، عن معنى حضور رجل، إلى بيت أبي هند بهذه السيارة التي تشي بثرائه، والذي هبط، بحياء، يحمل باقة ورد، كبيرة،وعدداً من أكياس، وصناديق، وددن لو يعرفن ما بها.

قال أبو سامي، وهو يصافح والد هند: “لماذا شارعكم ضيق لهذا الحد؟!”. رد أبو هند، وهو يرحب بضيفه: “الواقع أن سيارتك لم تصنع لدخول مثل شارعنا الذي يعد واسعاً بالقياس إلى شوارع أخرى كثيرة في المخيم، ضيقة إلى درجة لا تسمع بعبور إثنين، يسيران جنباً إلى جنب، فيها. الحمد لله، نحن محظوظون. أهلاً وسهلاً. تفضل، أنت في بيتك، وبين أهلك!!”.

مجاملاً ضيفه، وهو يدعوه للجلوس، اعتذر أبو هند، عن تواضع بيته، وتواضع أثاثه. وقال بافتخار جاهد أن لا يظهر في نبرة صوته: “أنا أحد أهالي هذه الحارة التي لا تزال تحتفظ بالطابع القديم للمخيمات. صحيح، إن كثيرين من سكانها، يستطيعون هدم بيوتهم القديمة. وبناء أخرى، بالحديد المسلح،خاصة أولئك الذي يعملون في المناطق المحتلة عام 1948، أو في المستوطنات الإسرائيلية في المناطق المحتلة عام 1967، ولكنهم، لسبب ما، لم يتخلوا عن بيوتهم التعيسة؛ قد يكون ذلك، من باب الوفاء للمرارة، وقد يكون من باب الوفاء للأمل، الذي راودنا بالرجوع إلى الديار التي هاجرنا منها عام 1948”.

واصل والد هند، حديثه، وأبو سامي يصغي له بشرود: “أما أنا، فإن وضعي المالي لا يسمح لي، بالتفكير في الخروج مما أنا فيه. إسرائيل لن تمنحني إذنا للعمل في المناطق التي احتلتها عام 1948، ولن تمنح أحداً من أبنائي أيضاً، هذا إذا قررت، أن أتراجع عن موقفي الذي يرفض مبدأ العمل بهذا التصريح. كيف أعمل على تقوية اقتصاد عدوي أو أشارك في بناء مستوطناته؟! كيف أعمل مثل عبد، لدى محتل لأرضي. ولن أضع نفسي في موقف مهين، ويومياً، وأنا اعبر من معبر بيت حانون (إيريز)، أو، من بوابات المستوطنات. الجوع كافر!؛ أوافق؛ ولكن خيانة المبدأ، كفر أشد. الحمد لله، الله ساترها معنا، والذي يرضى بالقليل، يبارك له الله فيه!”.

كانت كلمات والد هند، خنجراً يذبح شرايين ضيفه، جملة واحدة. “مصاهرتي له تطهرني. إنه رجل شريف. ما يقوله قاس، لكن الله جعل عذابه قاسياً ليطهر التائبين في الدنيا، وجعله أقسى في الآخرة، ليطهر المسلمين الذين يموتون وهم على فسقهم. الحمد لله، الذي منحنني فرصة للتوبة على يدي والد هند”؛ قال أبو سامي في داخله.

أطرق الرجلان، في لحظة مشتركة. تجدد في نفس والد هند، شقاؤها. الذي لم يبرحها، منذ ذبح ابنته الكبرى. ولدى أبي سامي، فإن هذا العمل، يضيف إلى رصيد الاحترام، الذي خطيت به عائلة المذبوحة، مقداراً كبيراً، يفي، بالحاجة النفسية، التي يؤرق فقدانها، مشاعره:”الزواج من فتاة، هو زواج من رصيد عائلتها”؛ قال في خاطره؛ وأضاف: “سيخفف هذا عني عذاب الضمير الذي لازمني منذ ذبح والدة سماح؛ فالشرفاء مثل والد هند، يذبحون النساء أيضاً، على خلفية شرف العائلة”. وابتسم، لكنه تنهد واغمض عينيه، وهو يستعيد صورة والدة سماح، في ليلة اجتماعه بها للمرة الأولى:

“استسلمت لنزوتي دون مقاومة. منحتني إحساساً برجولة كانت تخذلني وأنا أختبئ من مطاردة ملثمين لي، كانوا يلاحقونني للثأر مني عن سلوك مشبوه لي.. اقتحمت سياج مزرعة نائية، كانت عائلة أم سماح تقيم فيها. كان البرد قاسيا والليل مهجورا من الطمأنينة، في زريبة مواش لا تغلفها الأكاذيب، التي لا يرتكب إثم الإصرار عليها، من الأحياء أحد غير نبي البشر. كانت الزريبة تعج بنكهة الطبيعة الجنسية، التي تخلص الحيوانات لبراءتها. اقتربت أم سماح، مني، ارتعدتُ من الهلع، وهي تلمس ظهري من خلفي. استدرت إليها بعد الاطمئنان إلى رقة صوتها، ودفئه. ارتميت عليها بدافع لم أتبينه، شممت رائحة أيقظت في ضياعي فجر طفولتي. حضنتها بعنف رجل يتشبث بالحياة، في لحظات خال أنها الأخيرة من عمره المهدر. سقطت على الأرض، وانتثر الطعام الذي كانت تحمله لي، في شقوق الظلام الدامس، الذي لم أتبين منه غير أسنانها البيضاء. وقعت على فمها مثل صاعقة. كان جسدها طرياً ومشتعلا، وكان لهاثها تحت قبضة شفتيّ الحديدية، ناراً زادت حريقي، الذي هدأ، بعد دفق خالط الدم النازف من بكارتها.. بكت بصوت كانت تخنقه، واستلقيت أنا على ظهري، تشملني بهجة ربانية لم أذق طعمها، لا من قبل ولا من بعد!”.

وفي  الطريق من عيادة الدكتور الروحي إلى بيت عائلة هند، استفحل لدى أبي سامي، الشعور بعذاب الضمير، وساءل نفسه: “هل تنقذني هند من شقائي المزمن؟ هل تنقذني من اضطهاد الشياطين لي؟ هل ترأف بي، وتعفو عني أنا القاتل، وهل تعفو عن أبيها؟ هل يسع صدرها جرائمي كلها؟ فإذا كان ما مضى مني، شيئاً يمكن نسيانه، فكيف تنسى لي، جريمة تحمل اسم سماح، لا زالت دماؤها تغلى على سكين تذبحني وتذبح معي ابنتي التي لا أجرؤ على الاعتراف لها بذلك؟! هل أستطيع أن أواجه سماح، باعترافي بحقيقة علاقتي بها، وبحقيقة مؤامرتي على أمها، التي شاركتني فيها خادمتي، التي أجهضت، بدورها، حملاً من علاقتها معي؟! هل أستطيع أن أواجه هند بحقيقة سماح، التي يفضحها بطنها، وأن أقول، إن والد جنينها هو أنا؟ هل تحررني مصاهرة والد هند، الشريف بفقره، وبمعتقداته، وبسلوكه، من العار الذي يلفني ويحشوني؟! هل تكفي مياه المعمورة كلها لتنظيفي من دمي النجس؟! هل كنت سأتطهر، لو أن أطفال الانتفاضة رجموني، بكل حجارة فلسطين؟! هل يطهرني حبك يا هند، يا وطني المفقود؟!”.

وقف، يواجه البحر المضطرم، ومضى يحدث نفسه: “ما أوقحني! أحمل خطايا أهل الأرض على كاهلي، واذهب لأمد يد قاتل غادر نجس، لتصافح رجلاً طاهراً وصادقاً، واطلب مصاهرته! أنا أستحق أن أُلقي بنفسي في بطون حيتانك يا بحر غزة، لعل رحمة الله الواسعة، تنقي روحي من دمي النتن، المتخثر في قلبي الفاسد؟! ألا تخجل أيها المنافق الكاذب الخائن المارق، الملعون على كل لسان، أن تطرق أبواب الشرفاء وأن تدخل بيوتهم الكريمة؟! أأعود؟! أريد أن أتطهر! والد هند كريم لن يغلق في وجهي طريق الله، الكريم الأعظم، الذي لا يرد تائباً، وقف ببابه! اغفر لي، يا رب! أريد أن أبدأ من جديد، لا تخذلني، يا ذا الرحمة الواسعة!! وانقذني من رداءة سمعتي التي تجعل حياتي علقماً؛ فهل يا هند، أنت خلاصي؟!”.

الترحاب العفوي، الذي حظي به أبو سامي، في منزل عائلة هند، أطلق لديه، مشاعر متحررة، مبتهجة، أضاءت داخله،وتساءل بتفاؤل: “هل وجدت أهلاً؟!”.

جلس دون تحفظ، على الفراش المتواضع، المطروح بنظام مريح، فوق حصيرة، تشي بأنها تعود إلى سنوات قديمة، وأسند ظهره، إلى الحائط الذي يبكي بصمت، من رطوبة برد تنهش مساحات كبيرة منه. صافح أشقاء هند، الذين جاءوا للترحيب به، بحماس شباب، والذين أصروا على أن لا يقوم لهم، لمصافحتهم. رددوا كلمات احترام وود.

بحلق، في لحظة شرود طارئة، في سقف ينذر، بأن الضجر استفحل به، وأنه على وشك الانتحار؛ فارتد إلى شروخه، وغاص في ذكرى قديمة، انتشلته هند منها، وهي تلقي التحية، وتحمل، بحياء، صينية القهوة.  اتجهت نحوه. حدق كل منهما إلى عيني الآخر، والأب والأشقاء، خافضي الرؤوس، صامتين. قالت بما يشبه الهمس: “أهلا بك”، وخرجت مسرعة، بوجه طافت به حمرة الخجل.

وبدافع الرغبة، الكامن، في الاعتذار عن سوء أحوال عائلته المعيشية، قال أبو هند، إن المحنة التي لحقت باللاجئين الفلسطينيين، لا تزال تضطهد إنسانيتهم، وحقوقهم  في الحياة الكريمة. أضاف بحدة: “مجرمون، ولن يفلتوا من عقاب التاريخ الصارم!”.

قال شقيق هند، الملتحي، وبنبرة حاسمة: “ستنتهي دولة إسرائيل بعد 25عاماً. هذا حكم الله، جل جلاله. هكذا قال زعيم حركة  المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ المجاهد احمد ياسين”.

شارك في الحديث شقيق ثان لهند: “رئيس حزب الله اللبناني الشيخ حن نصر الله، فال نهاية إسرائيل ستكون بعد عشر سنوات”.

اندفع شقيق ثالث، فقال: “لماذا نتفاوض معهم للتوصل إلى حل سلمي إذن؟!”.

انكمش أبو سامي، والعيون تتجه نحوه. هز رأسه، وبحلق في الباب الذي يكشف، من جهته الأخرى، عن فضاء شبه معتم، يرقد في قاعه، أثاث متقادم.

“ستزول إسرائيل لأنها لا تستند إلى الحقائق التاريخية؛ عالم أثار من علمائها دحض ادعاءات اليهود بأن فلسطين كانت وطنهم القديم. وقال لا صحة للأخبار التوراتية عن قيادة النبي موسى للإسرائيليين القدماء في رحلة الهروب من فرعون مصر، والتوجه إلى فلسطين، الوطن الموعود لهم، من الله، كما يزعمون. والتوراة تشهد بأنهم غزاة. فلسطين كانت مأهولة بقبائل عربية. وداوود وسليمان، كما قال عالم الآثار الإسرائيلي، أقاما مملكتين هزيلتين، وفي مساحة صغيرة جداً، من فلسطين، ولوقت قصير!!”، قال أستاذ التاريخ، والد هند.

أضاف شقيقها المتدين: “فلسطين أرض وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنها. والوعد الإلهي لسيدنا إبراهيم، بأن تكون فلسطين لأبنائه، انتقل إلى المسلمين.لم. يعد شعب إسرائيل هو شعب الله المختار، نحن المسلمين خير أمة أخرجت للناس. والله يورث الأرض للصالحين، وليس للفسقة قاتلي الأنبياء!”.

اخترقت السهام قلب أبي سامي، وخطر له أن يستأذن بالانصراف، لولا أن صوتاً أنثوياً متهدجاً، لكنه حنون، انطلق: “أهلا وسهلاً بريحة البلاد، والجيران القدماء”؛ رد ببهجة من استأنف الحياة الآمنة: “أهلاً بك يا ستي الحاجة”، ونهض بخفة، ليصافح والدة هند، ويضغط على يدها، ويدعوها للجلوس بنيه وبين زوجها. وفي سريرته، قال: “الرجال يذبحون النساء، لكنهن، دائماً، تنقذنهم في الأوقات الحرجة!”.

راودت الرغبة والد هند، لاستئناف الحديث في موضوع شرعية إسرائيل، وكان يعتزم القول أن إسرائيل فرضت وجودها بالقوة الهمجية، التي انتزعت من العرب اعترافاً بها، ولكنه اعتراف لن يصمد في المستقبل. وعندما نطق أبو هند، بالحروف الأولى، مما كان ينوي التحدث به، ارتفع آذان العشاء، فأسدل الستار على أفق الجلسة، ولاذ الجميع بالصمت، الذي يقطعه، ترديد الآذان، من خلف صوت الميكرفون، الذي شق، أمام أبي سامي، درباً صاعدا لله، لمناجاته، والتوبة إليه…

لدى انتهاء الآذان، توجه الشاب الملتحي إلى أبي سامي بالسؤال: “هل نذهب للصلاة في المسجد، إنه ليس بعيداً؟!”.

تدخل الأب بسرعة: “صلوا هنا!”. والتفت نحو أبي سامي: ” تفضل للتوضؤ!”. رد الأخير: “لست بحاجة، إذا كانت الحاجة أم هند، قد قررت أن تشرفني بأن تكون حماتي؟!”. قالت والدة هند التي كانت تهم بالقيام، بعفوية: “ربما لعبنا معاً في طفولتنا، في قريتنا التي هاجرنا منها عام 1948؛ أنت هنا في بيت أهلك!”.

أقيم للصلاة. دفع أشقاء هند أبا سامي ليئمهم. جاهد للإفلات من إصرارهم، فإن حصيلته من القرآن، لا تؤهله للإمامة في صلاة يجب أن يقرأ القرآن فيها جهراً. ومع ندرة ما يحفظ من آيات، فإنه لا يحسن قراءة القرآن على حسب ما تقتضيه قواعد التجويد. والأهم من ذلك، لديه، هو أنه لم يأت إلى هذا البيت لإمامة أهله؛ “جئت إلى هنا للتطهر”؛ قال لنفسه، وهو يقاوم محاولات الشباب لتقديمه عليهم؛فجدد الاعتذار وهو يتلعثم في كلام يحاول أن يجمعه في رد حاسم، ليفلت من إصرارهم على أن يقوم بإمامتهم؛ فأنقذ صوت هند، قادماً من الحجرة البعيدة في البيت، موقفه، وهي تقول: “لا يؤم الرجل في بيته”.

وعندما أخذ أشقاء هند، وأبو سامي، مواقعهم للصلاة، اتجه والد هند، إلى نساء بيته، فوبخهن على أنهن استعجلن تقديم القهوة. وأمر. بإعداد العشاء.

لا يميل أبو هند، إلى التقيد بالتقاليد المرعية لدى الفلسطينيين، في مناسبات الخطبة، ولا إلى غير ذلك من تقاليد كثيرة، يقول عنها إنها تكبل حرية الروح، وتنتمي إلى تاريخ تجاوزه التقدم الإنساني. ولم يتفق مع زوجته التي انتقدت مجيء أبو سامي لخطبة ابنتها، دون أن يوفد قبل ذلك، بعثة نسائية للتمهيد للخطبة، كما جرت العادة؛ ورد عليها بحزم، أن موافقة هند، هي المطلوبة أولاً وأخيراً، وخاطب زوجته: “أفيقي أيتها الجاهلة، نحن في عصر الإنترنت!”.

فغرت فمها، وانضمت إلى الفرقة العاملة في المطبخ، لإعداد العشاء، فيما نزيف الذكريات الأليمة المتجدد، يصرخ في أعماقها المحروقة، ويتساءل: “لماذا ذبحت كبرى بناتي إذن؟!”.

جلس أبو سامي وقد ثنى ركبتيه، وسط حلقة، صنعها مع مضيفيه الذكور، حول مائدة العشاء، المفرودة أمامهم، وانهمك، منطلقاً على سجيته، يلتهم طعاماً، كان يشتهيه منذ دهور: سفرة من مقالي البطاطس والباذنجان والبيض والطماطم والفلفل؛ وطبق فول مهروس بالفلفل الحار والثوم اللاذع، يغمره زيت الزيتون المعتم قليلاً؛ وسلاطة غزية من البصل المدقوق مع قليل من الطماطم وكثير من الفلفل الحار الأخضر، إلى جانب طبق من الفلفل الحار الأحمر المخروط، والفلفل المكبوس، والفلفل الأخضر الحارق، والفلفل الأخضر البارد، ورؤوس البصل المدقوقة بقبضات الرجال، والليمون المغمور بالفلفل الأحمر المخروط، وزيتون مكبوس صغير الحب، ومخللات الخيار والباذنجان؛ والخبز البيتي الذي لا يزال يحتفظ بسخونة صنعه..

“قيمتك أكبر من ذلك!”؛ قال أبو هند، بود…”قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدان مغلولتان في النار: يد تأكل باحتشام، ويد تأكل باغتنام”، قال الشاب الملتحي، وهو يحرض أبا سامي على أن يأكل دون أدنى حرج…

“هذه ثاني مائدة تنزل من السماء، بعد تلك التي أنزلها الله على تلامذة عيسى المسيح!”؛ قال أبو سامي في داخله؛ وأضاف وهو يحشو فمه باللقم الكبيرة: “ينقصها وجود هند، مسيحي ومخلِّصي، إلى جواري،!”. رفع صوته، في رسالة موجهه إلى نساء البيت، القابعات في تاريخ الحريم: “كنت قد نسيت أن الطعام المصنوع بالأيادي الماهرة، مصدر رئيسي للبهجة”. استدرك: “الحق أن النفوس الطيبة، تصنع طعاماً طيباً.. إلأَكِل نَفَس!”.

ردّت أم هند، وهي تقترب منهم، وتمسح بقايا دموع: “صحة وعافية.. ومطرح ما يسري يمري!”.

انفرجت أجواء بيت عائلة هند، بعد غيمة كدر صيفية، نجمت عن اعتراض شقيقين لهند، أحدهما المتدين، على سماح الأب لجميع نساء بيته، بالانضمام إلى المجلس الذي يشارك فيه أبو سامي، بعد انتهاء العشاء، وخلال شرب الشاي مع تناول الجاتوه، للإفصاح عن الموافقة على خطبة أبي سامي لهند، وليكون ذلك، بمثابة احتفال عائلي بهذه المناسبة…

انتثرت في نواحي بيت عائلة هند، بهجة، من عيون وجلبة الأطفال والنساء، ظلت مفقودة منذ سنوات طويلة، ولم تأت، ولا مع زواج شقيق هند الأكبر، الذي تم، في عهد الانتفاضة الشعبية ضد الاحتلال الإسرائيلي، الذي كان الزواج فيها، خلواً من طقوس البهجة، في ظروف أمنية، حرمت الناس من الأمن، وجعلت هدف الزواج، هو حماية البنات، من أخطار قد يتعرضن لها، من عمليات اغتصاب.

وكانت عائلة هند، عندما تزوج ابنها الأكبر، لا تزال في حموة حادثة ذبح هند ابنتها البكر، وكان رب العائلة، في دياجير ظلام سجن إسرائيلي… كانت العائلة، مغلولة في الأصفاد!

انتزع أبو سامي فكره، من وجدانه المنتشي، وقال يخاطب أبا هند، الذي كان يحاول السيطرة على ضجة أحفاده، بتودد، وهم يتناوشون مع والديهم، ومعاً، في معركة فرح طفولي بريء، لا يقيم وزناً لتقاليد الكبار ومظاهر التأدب الاجتماعي: “أرجو منك أن تساعدني لتنفيذ برنامج لتقديم مساعداتي إلى مائة أسرة، من سكان هذا المخيم”.

حافظ أبو هند، على ثبات معالم وجهه؛ وواصل أبو سامي الحديث: “أقترح عليك، يا عمّي، فتح دكان بقالة، تشغل فيه وقتك، أتعهد لك، بتزويدك، بما يحتاجه من المواد. ألا يوجد مكان، قريب من هنا، يصلح لذلك؟!”. بادرت والدة هند بالإجابة: “هناك مخزن فارغ في البيت المجاور لنا، متواضع، يصلح لذلك، وأعتقد أن إيجاره لن يكون مرتفعاً!”. قالت شقيقة هند الصغرى، بفرح بريء: “ستكون فرصة جيدة لخروجك من الضيق الذي يلازمك طوال اليوم يا أبي”. نقل أبو هند، عيونه بين الفراغات الضيقة، بين الحضور، ثم أسبلها، وتنهد، ولم ينبس ببنت شفه… قال أحد أبنائه: “سأتحدث صباح غدِ، مع صاحب المخزن، في شأن استئجارنا له”. علقت زوجة الابن الأكبر: “سيوافق، فهو بحاجة إلى تأجيره، وعلى الأقل، سيتخلص من احتلال الفئران الضخمة له، التي تتخذ منه قاعدة لهجومها على بيته، وعلى بيوت الحارة!”؛ واصلت وهي تنقل عينيها من حماها إلى عريس هند: “يأتي الخير مع أهله يا عمّي أبا سامي!”.

وبملامح جادة، مشوبة برغبة من إنهاء الجلسة، سأل أبو هند، صهره: “متى تنوي حمل عروسك إلى بيتها؟!”

تلون وجه هند باحمرار الخجل، غادرت المكان، أجاب أبو سامي: “ما بعد عشرة أيام، إلى أسبوعين”. زغردت والدة هند. نادى أبو هند، العروس، طبع قبلتين على وجنتيها، زغردت زوجة شقيق هند، بارك الرجال والنساء للعروسين. نهض أبو سامي، قال ببهجة قلقة: “مبروك لك يا هند، وأنت منذ الغد، في إجازة مفتوحة من العمل، وبمرتب مضاعف!”. ودس في يدها رزمة من المال، قبلتها وهي خافضة الرأس، وانهالت على يده تلثمها، وهو يشرع في الانصراف…

استعاد الطريق الضيق المخنوق بسيارة العريس حريته. وقال أبو سامي، بصوت مسموع، يزاحم لحناً غنائياً شبابياً، يصدح، من مسجل سيارته، التي شقت عتمة المخيم بأضوائها الفاجرة: “الحياة مرأة”؛ أضاف ببهجة وقورة: “صدق نزار قباني، في قوله: ما الدنيا يا ولدي غير امرأة يهواها القلب!”.

استباحت تكشيره، يهابها أهل بيته، ثنايا الشيخوخة الضارية، في وجه والد هند. ولكن المرأة، المعمدة منذ هنيهات، عروساً أولى، بين بناته، المذبوحة أكبرهن، قالت بثقة مؤدبة: “ماذا يستنفزك يا أبي، في فكرة فتح دكان بقالة، أفهم مشاعرك، أتعاطف معك، ولا أريد أن أقوم بدور واعظة، فأنت أدرى مني، بأن العمل، أي عمل، هو وصفة روحية ناجعة للتخلص من هموم، ترهق أنفسنا!”. رد أبوها، بلسان يمضغه الألم: “لن أشتغل بمال يعرف الجميع أنه جاء بطرق غير شريفة!.. ثم، ثم أنا رجل لا يحالفه الحظ في الأعمال التجارية؛ هل نسيتم الخسارة الفادحة التي حاقت بالمشروع الذي بلع المكافأة التي تقاضيتها من وكالة الغوث الدولية، لدى إنهاء خدمتي في مدارسها؟! أنا رجل مهنته الكلام والأحلام، ولا يفلح مثلي في سوق الذئاب والغش. يا هند، يا عروس التاجر الكبير، الرواية الصحيحة لحديث النبي الذي يقول: من غشنا ليس منا؛ هي، في هذا الزمان، وربما في كل الأزمان العربية: من لم يغشنا، فليس منا!”. قالت هند:” أستاذ تاريخ مثلك يا أبي، لا ينبغي له أن يقع صريع تشاؤم متفاقم في نفسه؛ وأنت الذي كنت علمتني أن طريق مسدودة، لا تمثل كل طرق الله، وأن أياً من جاريات الزمن، ليست النهاية التي قرر الله عندها، إغلاق ملفات خلقه!”. قال أحد الأبناء: “أنت لست مسئولاً عن مصادر تمويل المشروع المقترح، طالما أنه سيبقى حق لدافعه، يعود إليه متى شاء، وطالما أن فائدتك من استثمار المال، ستأتي من مجهودك الذي تبذله!”. رد أبوه: “رائحة الجيفة تؤذي من يقترب منها!”.

استفزت الجملة الخيرة هند، قالت بغضب مكتوم: “إنه صهرك. وأنا أعمل لديه بأجر، أنفقه في حاجيات بيتنا!”. رد أبوها، بمشاعر جريحة: “أنت تتقاضين أجراً عن عمل تؤديه، لكنه يريد أن يتصدق علينا، بمواد نبيعها، دون أن ندفع ثمناً في شرائها! ارحميني يا هند!!”.

استسلم بيت عائلة هند، لهجوع ليلي، تضطرب أحشاؤه، بعدما سرق من الزمن، سويعات بهجة طواها النكد المقيم فيه… وقلبت هند صفحة الكتاب، إلى الوراء، فبرزت أمامها، من جديد، صورة شقيقة ذبيحة، ودماء بكارة أهرقها العبث الذكوري، فصرخ الحقد في شرايينها، يعلن أنه ماض في خطة الانتقام…

16

ودّت هند، لو أن خطيبها، لم يطلب منها، التوقف عن العمل، في مكتب ابنه. فهي لا ترحب، ببداية علاقة زواج، تكبت حريتها، التي تمارسها، بصورة ما، كما شأن بنات غزة، بالهروب من جحيم المعتقلات البيتية للنساء. ولا تميل، لأن تسمح لزوجها، بإسقاط عبودية الذكورة العربية التاريخية، المستفحلة في ذواتهم، على العلاقة ما بينها وبينه. هي لن تعطيه حق ممارسة ديكتاتوريتة، وفرض واجب الطاعة عليها… في المقابل، لا تريد هند، أن تخسر الرصيد الذي كسبته، لدى أبي سامي، بما أظهرت له، من قابلية عملية، وكلامية، أنها تحترم تراثه الاجتماعي الذكري، الذي يرفع الرجل، إلى مقام الرب للأسرة، أو إلى مقام إلاه ذكر، له، على النساء، حق الولاء، وعلى حساب كرامتهن وحريتهن… قالت في نفسها: “الصبر نصف الإيمان”، وتذكرت المثل الشعبي: “بوس الكلب من تمه، لحَد ما تاخُد حاجتك مُّنه”؛ أضافت بتأفف: “وما هو إلا كلب، أبو كلب!”.

كذلك، تعي هند، أن التوقف عن العمل في مكتب سامي، سيحميها من أخطار قد تهدد مشروع زواجها، قد تنجم عن احتكاك محتمل، مع سامي. فقد تغيظه، فيرد على ذلك، بكشف أسرار علاقتهما معاً، لأبيه، فتفشل خطتها، وينقلب عليها تدبيرها، بما قد يعرضها، لملاقاة مصير شقيقتها الكبرى، إذا انتشر خبر ما وقع لها، ومنها، في مكتب عملها.

وتتفادى، بتوقفها عن العمل، احتمال تعرضها لخطر، يأتي من عبد السميع، إذا ما أفلت من ضوابط، تلجم، رغبة شبقة، مجنونة، تغلى في صدره، نحوها. وتخشى، من نفسها، أن تفقد قدرتها على كبح جماح إرادة الانتقام لديها في لحظة مغرية، فيفسد ما تخطط له، وما أنجزته حتى الآن…

أمرت انفعالها بالهدوء. وسمعتها شقيقتها التي تشاركها الفراش، وهي تقول: “تحتاج المرأة إلى الدهاء، والحكمة، والمثابرة، والصبر، وإظهار الضعف، إذا أرادت أن تنتصر في معركتها القديمة، مع الذكورة الحمقاء، المتسلطة، الهمجية!”.

سحبت نفساً عمّيقاً، وحضنت شقيقتها، ونامتا…

وفي صباح اليوم التالي، أضاف مأذون مخيم هند رقماً جديداً، في مسلسل التاريخ المتمادي في الغيّ، كما قال والد العروس، في سريرته، وذراعاه تمتدان، ليحضنا ابنته الأولى، التي نجحت في توريط رجل، في شراك الزواج، الذي يعتقد (أبوها) أنه “خطيئة الإنسان القديمة، وحماقة تتوارثها الأجيال، ندفع حريته ثمناً للإصرار على استمرار ارتكابه لها”….

أقبل أبو سامي على عروسه لتهنئتها، وهي تتحدث إلى نفسها، وعيونها تحملق في المأذون: “ها قد أصبحت مملوكي يا خبيث الرائحة!”. قال: “مبروك لنا”؛ لثمت يده ورفعتها إلى جبهتها. والتفتت إلى أبيها، وتوقد شرر معجون بالفرح، في قلبها، قبل أن تنحني على يده، وتلثمها مرات عدة!.

تجاذبت أبا سامي، البهجة والعذابات. فها قد وجد أهلاً؛ ولكن.. ولكن زواجا، لم تلعلع فيه، زغاريد الأم، هو فرحة يتيمة، ناقصة. وتقافزت الصور في مخيلته: صورة سماح، المحرومة من أبوة معلنة في النور؛ المحرومة من حضن دافئ، تحتاجه كل الأنفس، وهو المحروم من بنوتها: “لماذا لا أملك الشجاعة فأعلن أبوتي لها؟ ستكون، على الأقل، بعض أهل لرجل مقطوع من شجرة! سامي؟! لا خير فيه، البنات أقرب إلى قلب رجل إنحدر إلى نهايته!”. لملم أحزانه، واقترب من عروسه، وهمس في أذنها: “سنقضي شهر العسل، في رحلة إلى الخارج!”.

كان ذهنه، يتجه إلى سوريا، لعله يلتقي فيها بذويه، الذين فارقهم في عام 1948. وأخذ يلوم نفسه: “لماذا لم أحاول السفر إليهم قبل ذلك؟!”. لم يملك الشجاعة الكافية لمواجهتهم. وعندما راودته، ذات مرة، فكرة استصدار تصاريح لهم، لزيارته، في غزة، صدمته المعارضة الإسرائيلية، لمنح المواطنين الفلسطينيين المقيمين في سوريا، تصاريح بدخول مناطق السلطة الوطنية في قطاع غزة والضفة الغربية. وكان يثق، أن عمالته للاحتلال الإسرائيلي، لن تشفع له، ولن تجديه، إذا أقدم على طلب تصريح يسمح لأهله بزيارته. لقد تراجع، عن هذه الفكرة، في حينها، لسبب أعمق؛ إنه لم يكن يملك الجرأة، ليواجه ذاته العمّيقة، الممتدة في تاريخ أسرته المشرف!

اصطحب أبو سامي عروسه وأباها، إلى بيته، بعد أن اقترح أن تقوم هند بالإشراف على التغييرات، التي ترغب، في إدخالها، على البيت، الذي ستقيم فيه مع زوجها.

أذهلتها فخامة بيتها المرتقب، عندما دلفت إليه. قارنت بصمت، بينه وبين بيت عائلتها، قالت لنفسها: “أخيرا، سأرحل من قبر فوق الأرض!”.

يعيش أبو سامي، في فيلا واسعة، وأنيقة، تقوم وسط حديقة من أشجار الفواكه والزينة، ومؤثثة بفرش ملوكي. أبت هند أن تدخل البيت، قبل أبيها، وزوجها، رغم إصرارهما، مرددين، في وقت واحد: “النساء أولاً”. وبعد خطوة واحدة، من عتبة باب الفلاّ، المطل على الممر، الذي يشق أرضية مزروعة بالإنجيل الريَّان، والمحفوف، بأشجار زينة قصيرة، التفت أبو سامي إلى عروسه، وقال، بعينين مبتهجتين: “ظل هذا البيت معتماً حتى هذه اللحظة؛ ولكنه سيستنير، بوجودك، وإلى الأبد، إنشاء الله!”. قال أبوها مباركاً: “الحب نور يهزم شياطيننا، سأصلي لكما، لتنعما بالبهجة الخالدة!”.

بعد طواف سريع بأرجاء البيت، وبحماس شبابي، انحاز أبو سامي إلى جانب هند، التي رأت أنه يجب قلب كيان البيت، بكل تفاصيله؛ وهو مالم يستحسنه أبوها، الذي قال إنه (البيت) لا يحتاج إلى أية تعديلات أو إضافات. قال أبو سامي: “أريد تجديد حياتي بالكامل. وفي غضون أيام قليلة، سيتم تغيير الأثاث كله، ولون الجدران، والستائر، والتحف والسجاد، والنجف، وأدوات المطبخ.. وكل شئ؛ وغلى ذوق سيدة ما تبقى من عمري، وما مضى، عروستنا الجميلة!”.

وبقلبين يرقصان، تشابكت كفّا العروسين، وانطلقا في رحلة حول الفلاّ، في الحديقة الواسعة، التي يحتل ركنها الشمالي الغربي، المسجد الواقع تحت مسئولية الشيخ عبد السميع، الذي يقيم، هو، وأسرته، في حجرة ملحقة به.

اختلى أبو هند، بنفسه، في حجرة المكتب بالفلاّ؛ فهجمت عليه سياط تأنيب الضمير، تلسعه من كل نحو، لمصاهرته رجلاً لا يليق به أن يربط مستقبل ابنته به. حاول أن يقنع نفسه بصواب موقفه الذي كاد يكون حيادياً، إزاء الرغبة التي تملكت هند، للزواج من أبي سامي، والتي دعمها بدور الأب الاجتماعي فقط، الذي يؤمن، بأنه، لا ينبغي أن يتعدى حدود التغطية الرسمية لما يقرره الأبناء؛ وهو، في قرارة ذاته، يتعذب بشراسة، كلما تذكر، جريمته التي ارتكبها ضد كبرى بناته: “وهل تمر لحظة بي أنسى فيها ما فعلت؟! هل هو شئ يمكن نسيانه؟! جريمة لا تغتفر! لماذا إذن أقف أمام رغبة هند؟ إذا كنت قد ذبحت شقيقتها الكبرى، مرة واحدة، فهل أذبح هند، ألف مرة؟! النساء للرجال، كما الرجال للنساء، هذا حق طبيعي؛ وللمرأة أن تختار رجلها، هذا حق طبيعي اجتماعي! الاعتداء على هذا الحق جريمة، من نوع جريمة الذبح التي ارتكبتها بجهالتي وبحقدي وبانصياعي لتاريخ ذكري دموي يدافع بوحشية الغاب عن ضلالات فكر ووجدان سقيم: الله خلق الرجال للنساء! هل يؤلمني أن الرجل الذي اختارته ابنتي له ماض نجس؟! لماذا خلق الله الماء والصابون؟! الحب يطهرنا من نجاستنا! والروح التي في كل واحد منا طاهرة. الحب يستنهض الروح! وأبو سامي ليس النجاسة الوحيدة في صفحة العالم العربي! وهو ضحية! هل أخنقه أنا أيضاً، إذا طرق باب بيتي ليفلت من تاريخ يضطهده، أو من قدر مشؤوم، حاق به منذ ضل عن أهله؟! استجار بي، فهل أحرمه الماء؛ فهل إن جاء ملهوف وعطشان، إلى ماء من مائي، أصدّه وادفعه إلى هلاكه؟! ذَبحتُ مرة، فلن أذبح بعدها، ولا خنزيرا!! ولن أقتل حيًّا ولا نسمة حياة!!”.

لم يقف أحد، من عائلة هند، ضد زواجها من أبي سامي، والسبب، أن ذلك، يفتح طريق، ظلت مغلقة، أمام شقيقاتها، وأمامها، تحت حصار اجتماعي، ضربه الناس، حول العائلة، التي شاع زوراً، أن ابنتها الكبرى، تورطت في علاقة مع شاب، أثمرت حملاً؛ فاضطرت العائلة، إلى غسل عارها، بذبح هذه الابنة، البريئة، في حقيقة الأمر. لم يأت رجل، ليطلب الزواج من بنات أبي هند، الذي دفع ثمناً باهظاً للحفاظ على شرفه الوطني. وبنات، تقدم بهن العمر، واستفحل في نفوسهن، إحساس بالقهر، والظلم الاجتماعي؛ قد يفلتن من استبداد الذعر بهن، وينطلقن، متحديات لكل شئ. كان أبو هند، يحسب لهذا الأمر ألف حساب، خاصة فيما يتعلق بهند، الجريئة، الطموحة، المتهورة أيضاً؛ “أنها تقضي ساعات طويلة خارج الرقابة العائلية المباشرة، بحجة العمل؛ هذا يقلقني!”؛ قال أبوها، ذات مرة، يخاطب أمها، التي لم تكن أقل منه قلقاً!

عاود الكدر مشاغباته، في صدر أبي هند، وهو يهمُّ بالجلوس، في الصالون الكبير، جوار صهره، الذي دخل الفلاّ، بعد رحلته القصيرة، مع عروسه؛ تنهد أبو هند، وألقى بجسده، المنهوك بحسرة قديمة، وقال في داخله: “لست وحدي الذي يقدم التنازلات الصعبة في هذه الأيام!!”.

تسمَّرت عينا هند، في حدقات خالتها تتأهب لقذفها بحمم تنطلق من صورة لسامي، معلّقة على الجدار، في الصالون الكبير للفلا. كظمت غيظا دفاعيا، وتساءلت: “ما السبيل إلى طرده من هذا البيت، ومن حياة أبيه كلها؟!”. وتمثلت صورة الواقعة الأخيرة بينهما، ولامت نفسها: “لماذا لم أفلت بولي في منخاريه أو أتبرّز في فمه، وأنا أضغط وجهه بمؤخرتي؟!”. فلت منها، قولها بصوت مكبوت، لكنه مسموع: “النذل، ابن النذل!!”. تلفت الرجلان إليها، تستفسر ملامح وجهيهما عما ندّ عنها.. “آه؟!.. هل قلت شيئا؟!”؛ قالت ببلاهة متقنة، وقفزت من اللحظة، برشاقة وسرعة..

دلفت إلى حجرة النوم؛ فتحت نافذتها الواسعة، ابتسمت وهي تكتشف أن نافذة الحجرة، تقع، على اتجاه يعاكس اتجاه القبلة، ما يعني، أن اتجاه الصلاة في مسجد عبد السميع، يمرّ من نافذة حجرة نومها، قبل أن يواصل امتداده نحو الكعبة. “بعد قليل، ستكون صلاتك إلى فرجي يا عبد السميع”؛ قالت، وحمدت الله: “أنت أهل للثناء كله، يا من ترعى خطاي، يا نصير المرأة، ونصير كل مقهور في أرضك وليلك!”. وعندما أغلقت النافذة، واستدارت، توقفت تصغي لشيطانها: “إذا أدرت لك ظهري يا مولاي الشيخ، فستمر، في طريقك إلى الكعبة، من مؤخرتي! هذا يليق بك، وبالمنافقين خلفك، المذعنين، مثل خراف عمّياء، لا يضئ الإيمان قلوبهم! ماذا؟ هأهأ، ستدخلون الجنة بصلواتكم الجوفاء! أقسم بالله العظيم، أنكم لن تشمّوا ريحها! ستدخلون النار، انتقاماً من الله منكم على الخطيئة التي تقترفونها، بإهدار الماء في وضوئكم، الذي لا يغسل شيئاً من أوساخ قلوبكم! زوجي المغفل، صلى الليلة الماضية؛ هل يعتقد أن الله تاجر مثله، يقايض الجنة، وحورياتها، بالسقوط وتمريغ الأنوف النتنة في تراب غزة القرفان من أحيائه وأمواته معاً؟!”.

صدمتها صورة كاملة لزوجها، معلقة على جدار حجرة النوم. بصقت عليها، وقالت بتأفف: “عجوز منفِّر! تقيم مسجداً لعل الله يغفر لك؟! أيها المنافق، الضال، صبراً قليلاً، سأدِسُّ مئذنته في مؤخرتك أيها العفن!”.

وقبل أن يغادروا الفلاّ، اتفق الثلاثة، على الالتقاء، فيها، مرة أخرى، فور الانتهاء من تجديدها، الذي قال أبو سامي، أنه سيكلف عبد السميع، بالقيام بمسئولية الإشراف على تنفيذه؛ بتوجيهات العروس، في بحر ثلاثة أيام. وسيجمع اللقاء المنتظر، نزولاً، عند رغبة مشتركة، اتفق عليها العروسان، أفراد عائلة هند، وسامي، وحليمة، وسماح، لتناول عشاء احتفالي بمناسبة عقد قران هند، على أبي سامي.

في الطريق من باب الفلاّ، إلى السيارة، نظر أبو سامي إلى هند، وقال بحب يتناثر من عينيه، وفمه: “أمتلك من البهجة، ما يكفي لإنقاذ تعساء الأرض أجمعين، من قيود الظلام! هل تشاطريني ذلك؟!”. ابتسمت، واحمرت وجنتاها، ونكّست رأسها، بعد أن حركّت شفتيها بقبلة سريعة، قذفتها إليه، من خلف أبيها، الذي كان يسبقهما بخطوات قليلة.

فتح أبو سامي لعروسه، باب السيارة الخلفي الأيمن، بعد أن كان أبو هند، قد أخذ مكانه، على المقعد الأمامي، من جهة اليمين. دفعت العروس وجهها، بخفة، نحو وجه خطيبها، فاستقبله، بطبع قبلة سريعة على شفتيها، أحست بعذوبتها، واعتراها حياء بريء؛ ونهضت، فجأة، في عقلها، إرادة دراسة الفلسفة، التي اشتهتها طويلاً. وتساءلت، والسيارة قد بدأت الحركة: “ما هذا الشيء الجديد الذي تختلج به نفسي؟!”. شردت  أفكارها في كل اتجاه: “رباه، هل يسع قلب واحد، نار الحقد ونار الحب، في لحظة واحدة؟!”. وتذكرت، مقولة لحكيم: “صنع الله الحقد والحب، من مادة واحدة، ولهدف واحد: الحرية.. أجل، الحرية، فالحرية مادة الله وطبيعته، ونوره وبهجته!” أغمضت عينيها، ذرفت دموعا غزيرة: ورددت بصمت وبِنفْس حسيرة: “يرحم الله شقيقتي الكبرى؛ يرحم الله أبي، يرحم الله أبا سامي؛ يرحمني!!”، وأجهشت بالبكاء.  وللتو، انتقلت عدوى البكاء، إلى الجالسين في مقاعد السيارة الأمامية…

17

ابتهج عبد السميع، بالمهمة التي كلفه أبو سامي، بها، والتي سينفذ خلالها، رغبات هند، المتعلقة بتجديد البيت الذي ستقيم فيه، مع زوجها. وأَسرّ إمام المسجد في نفسه: “سأكون زوجها الثاني!”.

ينظر عبد السميع، للمهمة التي سيتفرغ لأدائها، تحت إشراف هند، بأنها ستمنحه فرصة التخلص، المؤقت، من المواظبة على عمله، إماماً للمسجد، الذي لا يهواه، ولا يجيده، ولا يمتلك من المؤهلات المطلوبة له، سوى اللحية الكثة، والطاعة الأمينة، لأبي سامي، الذي يستعين به، لتأدية الخدمات الخاصة، ومنها، ممارساته الجنسية.

وسيستبدل، في الأيام التي سيقوم خلالها، بأداء مهمته الجديدة، صحبة هند، المنتشية بروح انتصار أنثوي، بقرف زوجة، يرى أنها، وبجدارة، سيدة المقرفات، ليس في قطاع غزة فقط، ولكن، في الأرض كلها.

أبو سامي، لم يجد في نفسه، ولا في أوقات جدب من النساء، كان يصيبه، أية رغبة، في إقامة علاقة جنسية، مع زوجة مخدومه. كان يجفو فظاظتها، وشراسة عينيها، وقذارتها.

وكانت، بدورها، تشكو من زوجها لأبي سامي: “يضاجعني كما لو كنت حمارة. يدفع قضيبه في فرجي دون مقدمات، ويخرجه بعد أن يكون قد بصق، في وجه كرامتي الأنثوية، مرتين: من تحت، ومن فوق! لم أذق، منذ تزوجته، لذة الجماع. أشتهيها بحرقة!”.

كان أبو سامي يرثي لحالة الهوان التي تنحر أنوثة زوجة عبد السميع، لكنه لم يملك أريحية تكفي لدفعه، لإطفاء نارها. كان يقول لها: “لو كانت روحي التي في ذكورتي أطهر، مما هي عليه، لمنحتك ما تستحقه أنثى، من حق ومن كرامة!”.

وما كان لينحاز إلى جانبها، في معاركها مع زوجها. كان لعبد السميع، حظوة كبيرة، لدى سيده، الذي هو بحاجة إلى”بئر أسرار”، كانه عبدُ السميع .

التحق عبد السميع، بالعمل مع أبي سامي، بمهنة شيال، في متجر لأبي سامي، بعد أن أقلع عن مزاولة مهنة سرقة كتب المساجد، التي أصابته بإحباط، لفشله في إقناع الناس، بأنه كان يؤدي، من خلالها، رسالة روحية؛ “لكن هذا الوطن، مقبرة للمخلصين، كلا! إنه عطن”؛ قال، وأضاف، وهو يوضح لأبي سامي، الأسباب التي تدفعه للبحث عن فرصة عمل، مهما كانت، توفر له، شيئاً مما يملأ أفواه أطفاله التي لا تعرف الشبع، ولا السكوت: “زوجتي مثل الأرانب، وليتها كانت جميلة مثلهن. والمساجد، اتخذت احتياطات للمحافظة على ما لديها من كتب قليلة؛ لماذا أسقط راوي الحديث النبوي، الكتب، من الأثر الشريف الذي حدد المشاعات بين الناس؟ هل توافق يا عمّي أن يضاف إليها أيضاً: والنساء؟!”. قهقها معاً، وردَّ أبو سامي: “وجد كلانا، رفيقاً كان يبحث عنه!”.

وبعد أن أثبت عبد السميع، أنه محل ثقة، اشترى أبو سامي له، عربة يجرها بغل. وانتشى عبد السميع ببغله، مثلما تنتشي أنثى، بمضاجعة معشوقها. وتماهى ببغله، وكان يردد في نفسه : “أخيرا، وجدت صديقي وأخي!”. ولم يكن يحنق، عندما يشتمه سائقو السيارات، وهو، يعيق حركتها، بقولهم: “بغل يقود بغلاً!”. وكان الوحيد، بين أصحاب البغال، في غزة، الذي لا يحمل سوطاً ليجلد به بغله. وشوهد كثيراً، وهو، يساعد البغل، على جرّ أحمال العربة، في الطرقات الصاعدة، أو الهابطة، وكان يقول، بصوت مجلجل: “لا صلاة ولا صيام ولا حج ولا زكاة، ولا دين، لمن لا يرحم إخوانه الدواب!”. وعندما اعترض عليه، معلم للدين، بقوله: “المؤمنون هم الأخوة!”، ردَّ عبد السميع: “هل لديك دليل على أن الحيوانات كافرة؟!”. وقال في مرة أخرى، في نقاش مع مثقف، كان ينقل له أثاثه: “لم يرسل الله للدواب أنبياء لعدم حاجتها إليهم!”. أجاب المثقف: “بل لأنها ليست مكلفة!”؛ فردَّ عبد السميع: “كلا! بل، لأنها ليست ناقصة، ولا جاهلة، ولا حاقدة، ولا مغرورة، ولا متسلطة، لأنها مخلصة لحرية البراءة البكر يا أستاذ!!”.

توطّدت علاقة أبي سامي، مع عبد السميع، منذ انتقل الأول، للعيش، في فلَّته، التي تقع، بعيداً عن زحمة المساكن في غزة. كان يحتاج إلى أنيس، مؤتمن، على شؤونه النسائية. وأنشأ المسجد، على مقربة من الفلاّ، لدوافع مختلفة، منها، ضمان بقاء عبد السميع، قريباً منه؛ الذي كانت من مهماته، توفير مناخ نفسي يحتاج إليه، أبو سامي، يعود، إلى ما يختلج في نفسه، من أحاسيس بالدونية، تفضحها عيون الناس، وهى تتفحصه.

كان عبد السميع، قوَّاداً، لحساب وليّ نعمته. وكانت ممارسات أبي سامي الجنسية، محكومة بأغلال تنشب في داخله، فتمنعه من منح لذة المضاجعة لنساء نزواته، اللواتي كنّ يعاملنه بمنطق تجاري، الذي كان يلعب، دوره المثبط لأبي سامي في ممارساته معهن. كان يقول لعبد السميع: “أنا أحتقر المرأة التي تبيع فرجها بالمال”. وكان عبد السميع يشاركه الرأي: “الممارسة الجنسية صلاة روحية، لا صفقة تجارية!”.

لكن النساء، اللواتي كنّ يتاجرن بفروجهن، في سوق أبي سامي، ينقلبن، إلى إنسانيتهن، وصدورهن تتّقد بالنار المقدسة، تحت لحية عبد السميع الكثة. كان عبد السميع فحلاً، وكان صبوراً مع طالبات اللذة، الحرة من نكد الزوجات، والبعيدة عن الضجر، من جسد تجفوه الروح، هو جسد امرأته، كما وصفه. وكانت النسوة، اللواتي يحظين، بانطلاقة روحية، بعد أن يفرغن من اللقاءات العقيمة مع أبي سامي، يندمجن، مع عبد السميع، في طقوس ماجنة، تمتد من بداية الإنسان المتوحشة، إلى انجذاب المتصوفة.

وكانت تعتري عبد السميع، حالات من الشعور بالذنب، بسبب ممارساته الجنسية، خارج النطاق المحصور بالزواج، وعن دور القوَّاد، الذي يلعبه لصالح أبي سامي. ولكنه كان يفلت من مشاعر الذنب، بقوله إن حب النساء غريزة، وإن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قال إن الله حبب إليه النساء والطيب. ووقف ذات مرة، وكان يرتدي جبّة الشيوخ وطربوشهم المعمّم، أمام نفر، من زملائه القدامى من أصحاب العربات، والشيالين، فقال وهو يدفع صدره، ويرفع عقيرته: “هل تعرفون لماذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحلق الشارب وإعفاء اللحية؟! كان صلوات الله وسلامه عليه، يحرص على توفير مناخ للنساء، لِينضحْن باللذة الكبرى مع الرجال! هل من زوجاتكم، من تمنحكم اللذة؟! أما أنا فلا!”.

سيُغْلِق زواج أبي سامي، الباب، الذي كانت تأتي منه النساء إلى عبد السميع. الذي كان يمارس نشاطه الجنسي، في الفلاّ، بعد مغادرة صاحبها لها، بعد أن يقرف من النساء، اللواتي جئن لقضاء أوقات معه. يخفف من هذه الخسارة، قناعته، بأن هند، ستكون حقله المفتوح، الذي لا يستطيع أبو سامي، أن يحرثه. إن شبق امرأة ثلاثينية، نار لا تطفئها بقايا ذكورة، تنذر، بنضوب قريب، كما يعتقد. ويدعم اطمئنانه إلى ذلك، أن هند، ألقت شباكها في طريقه؛ وهو صيد، لا يقاوم امرأة.

خلال تجديد بيت الزوجية، الذي ستقيم فيه هند، تجاهل عبد السميع، رغبات العروسين. وفعل ماتهواه نفسه هو. كان يتذرّع بأسباب مختلفة، للدفاع عن مخالفته لرغبتهما؛ وكان يتصرف، بوعي، وبدون وعي، وكأنه يعدّ عشّ زواج له. ورتّب حجرة النوم، المخصصة للعروس، في نظام، يضع ذيل السرير، في مواجه النافذة، التي تفتح، باستقامة، على محراب المسجد. قال في نفسه: “لِيراها خيالي، وأنا أؤم المغفلين ورائي، وهي مستلقية على ظهرها، فاتحة فخذيها، فيكون قيامي، وسجودي، بينهما!”.

وهو على يقين، أن هند، ستتشبث به، بعد أول مغامرة له معها: “كل من جربتني مَرّة، لا تقدر على الاستغناء عني. فأنا الوحيد بين رجال العرب، الذي يتجرد من أنانيته، مع التجرد من ثيابه، في حضرة امرأة… أنا وحدي الذي يأخذ من المرأة، أقلّ مما يعطيها!”.

ويدبر أبو سامي، أمراً: إنه يخشى من عبد السميع على هند؛ لذا، أضمر قراراً سينفذه قبل دخوله بعروسه: سينقل المسئولية عن المسجد، إلى وزارة الأوقاف. وسيمنح عبد السميع، مبلغاً من المال، ليشتغل به، بعيداً عنه. وسيوفر له بيتاً، بعيدا عن البيت الذي ستقيم فيه هند، بعد الزواج.

18

  اندفعت نساء حارة هند، لحظة وصولها إلى بيت أبيها، في المخيم، عائدة مع عريسها، بعد إتمام عقد القران بينهما. وبحب عفوي أقْبلْن يعانقنها، مهنئات، ومبتهلات إلى الله، أن يبارك لها. ولكن هند، دون تخطيط، أحجمت عن مصافحة، وعناق امرأة كانت تحمل طفلها، الذي كان يضحك ببراءة، رسمت، في عيني أمه، بهجة، دفعتها، بإخلاص، للإقبال على هند، التي ردت، بجمود، كان يحترق، بنار غيرة، اشتعلت فجأة، بصورة رجل، حلمت هند به، منقذاً لها.. وزوجاً!!

جلال زوج المرأة، أمّ الطفل ذي الصفحة البيضاء، المشرقة ببراءة الحرية الأصلية، هو، شقيق الفتاة، التي انتهكت قانون الجور، الذي فرض على هند وشقيقاتها، حصاره المظلم، منذ اغتيال شيطان الجهل المنافق، صبية طاهرة، ذبحتها أقاويل غير مسئولة!

كان جلال، يحثّ شقيقته صباح، على مداومة زيارة بيت أبي هند، والجلوس، مطولاً، مع بناته، اللواتي، كانت فتيات المخيم، ونسوانه، يتحاشينهن، تفادياً لما قد يجره ذلك عليهن من عقوبة الأهل القاسية.

ارتبط جلال مع والد هند، بصداقة نشأت، منذ اجتمعا في المعتقل الإسرائيلي. وظل جلال، يعرف فضل أبي هند، ويحفظ له التقدير الذي يستحقه مواطن شريف، كما كان يقول، وهو ينتقد المواقف السلبية التي يقفها الناس من أبي هند وأهله.

وتصدّى جلال، للإشاعة التي لوّثت الفضاء الأبيض، لحياة أسرة هند. كان جلال حكيماً ونقياً. وكان أهل المخيم يأخذون عليه أنه لا يرتاد مساجدهم. لكن أحداً منهم، لم يذكر عنه عيباً يشين أخلاقه. وكان يقول لخلصائه: “أنا دائم الصلاة في مسجد يحمله رأسي”. كان نورانياً ومبتهجاً بالحب. وكان يقول لصباح في أوقات سمر كان يضمهما كما لو كانا عشيقين: “الحب يطهرنا من الصغائر والكبائر معاً.. الحب يحررنا من أن نرى قبائح الصور”.

عشقت روحُ هند، صورةَ جلال. ونقلت إليه، بواسطة صباح، رغبتها في الإنضمام إلى جماعة شرع جلال في تأسيسها، تهدف لتجسيد حيّ، لشعار ترفعه: “وطن الحب وطن أجمل!”.

قالت صباح لهند: “الحب يجب أن ينتصر، إنه كرامتنا، كذا يؤمن جلال، وأنا أيضاً. إنه نبي هذا الزمن. وهو يدعو إلى أن نقتسم، بالعدل، رغيفاً روينا زرعه، معاً، بالدم والألم!”.

يتبنى جلال، فلسفة تجاه إسرائيل، يصفها فيها، بأنها صنيعة الحقد الإنساني: “مشروع حقد، يهزمه مشروع الحب. نحن لا نملك قوة عسكرية لندحر وجود إسرائيل. ولكننا نملك مادة الروح. فلسطين وطن الروح. الروح هي الحب وهي الحرية والعدل والكرامة، هي بهجة الحب. إسرائيل عدوان شرس ضد الروح. الروح من أمْر الله. الروح لا تنهزم. الروح حق، إسرائيل باطل. والحق؛ وعندما يصير الإيمان به إرادة ناهضة، فاعلة بإخلاص، يُزهق الباطل!”.

تزوجت صباح، ولم تعد قادرة على زيارة هند وشقيقاتها. وتزوج جلال، وظلت هند، تحلم به: “لماذا فعلت ذلك؟”؛ قالت في سريرتها، بعد أن هدأت الجلبة التي استقبلتها لدى عودتها مع عريسها، بعد عقد قرانهما. نكست رأسها، وهي تجلس بين أبيها وأبي سامي؛ راودها سؤال: “هل تخليت عن إيماني بجلال الذي كان يقول إن الحب أكبر من رغبة التملك؟!”.

شرد ذهن هند في الماضي.. “جلال، كان الماء الذي يروي عطشي. لم نكن نلتقي. ولكن روحي كانت رهينة في فضاء الجمال الذي كان يخلقه بدعوته. الحرية! هذا ماء الحياة؛ الحرية مادة الله؛ كذا نقلت صباح عنه.  ونحن مادة الحرية. هل تحيا الحرية في ظلام الأغلال؟ ماذا يريد مني أبو سامي؟! هل يستطيع أن يؤمن بدعوة جلال؟! هل يعيدني إلى إيماني القديم بالحب الذي تعلمته من جلال؟!. لماذا أترك الحقد يخرب صورة جلال المطبوعة في أعماق نفسي؟!”.

نفضتها كهرباء ذاتية. أطلقت صيحة مذبوحة. وقفت فجأة. فزع أبوها وعريسها وقالا معاً، بلهفة: “عساك بخير!”. جلست، لم تنبس بكلمة، ظلّا يراقبانها؛ عاودت الشرود، استباحها العذاب، قالت في سريرتها: “هل يجمع قلب امرأة، في يوم عرسها، جنة الحب، ونار الحقد، معاً؟! لماذا تنغص أيها الشيطان يوماً تنتظره كل فتاة؟! رباه؛ هل غدوت مخبولة؟! هأنذا أضيع من جديد؛ أينك يا روح جلال، شيطان الحقد يهجم على ذكراك! كلا! يجب أن أنتقم! ما الحب؟! أكذوبة نُزَوِّق بها قبحنا! جلال وسامي أكاذيب، ذات ألوان مختلفة! أما الحقيقة، فهي أن شقيقتي الكبرى ما تزال مذبوحة، وأنني بعد أيام قلائل، سأزفّ إلى رجل ليذبحني أيضاً… ونظرياتك يا جلال أوهام تحملها العواصف، قبل أن تدهمنا! وتعال يا حبي الخائب، وفسر لي، استقبال نساء حارتنا لعروس الثريّ أبي سامي: هل يحْملن مشاعر صادقة نحوي، أم يفرشن الطريق للحصول على مساعدات زوجي التي وعد بها أهالي المخيم؟! جلال، أيها الأبله! وأنت لا تزال تنام على حصيرة، تؤمن أننا نملك قوة نهزم بها الطاغوت… امْضِ في غيِّك أيها الرجل الذي يفتقد الحيلة! خذلتَ حبي! أنا أيضاً سأخذل دعوتك؛ تعال وانظر إلى البيت الذي سأقيم فيه. بيتي جنّة وأهمّ من ذلك، إنه قبلة المسجد الذي يؤم فيه عبد السميع نفراً من المعاقين أمثالك! ربّاه؛ دُوارٌ يلقيني في بطن الحوت الهائج فوق موج يناطح صخور البحر العنيدة… رحماك!”.

قضت هند، بعد مغادرة عريسها لبيت أبيها، بقية النهار، في حالة من اللاتحدد. وعندما بدأت غلالة الظلام الليلي، ترتدي الأفق، الشتوي، البارد، نخزها مغص. كان يؤرقها الخوف من أن لا يأتيها، كعادته، كل شهر. ابتسمت بوجه ذابل، وتمتمت: “لا زال الله يحبني!”. وشملتها بهجة ناعمة، وهي تستسلم لنوم مبكر، نهضت منه، على قهقهة، لعلع بها أبو سامي، وهو يدهم حجرتها، برشاقة طفل لا تكدر المنعصات لحظته!

لملمتْ هند فوضى الصحو الفجائي، بشيء من الارتباك، المخلوط بالتوجع المكتوم، الذي فضحته معالم وجهها، من المغص الذي تفاقم، والذي ارتابت في شأنه: هل هو المغص الذي يرافق الدورة الشهرية؟! أم هو احتجاج ما، على شئ ما؟!

19

أنارت البهجة، شيخوخةَ أبي سامي، التي تقهقرت من معالم وجهه المحفور بالأخاديد، وهو يمازح حماته، التي كان يجلس بينها وبين عروسه، حول مائدة الإفطار المفروشة على الأرض، في بيت والد هند، فيما كان إبريق الشاي ينفث بخاره، من فوق نار الحطب، المتقدة في كانون يقاوم برودة صباح طقس شتوي، لا تصدّها منازل المخيم الهزيلة…

مال أبو سامي نحو عروسه، وأسرّ في أذنها: “الحياة امرأة تمنحنا البهجة!”. أجابت، بوجنتين متوردتين: “خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها زوجها أبهجته؛ وإذا غاب عنها…”؛ توقفت، من غير سبب محدد، قبل أن تستكمل الحديث النبوي: “حفظته في عرضه وماله”. والذي استبدلت فيه، بوعي، كلمة” أبهجته” بكلمة”أسرّته”، وبوعي أيضا، تعمّدت أن تسقِط منه: “وإذا أمرها أطاعته”!

كانت نفس هند، وهي تجلس إلى جوار عريسها، تضْطرم بصراع خيالات جلال وسامي وعبد السميع، وشقيقتها المذبوحة. وفي جلبة أطفال يتصايحون، في بيت أبيها، وفي البيوت الملاصقة له، التي تفصلها حيطان وهمية، تشي بما يجري خلفها، من تأوهات وزفرات، ومناوشات من كل صنف، في هدأة الليل، ثورة الشبق، ونزاع الحرمان… اجتاح الرعب مركب هند، الهارب في لجة بحرها من وحوش الماء واليابسة، تتقاذف الدم الحار، وتدفن الأحياء في التراب، تذبح البراءة وتغتال حرية الجمال… شردت في غياهب الجحيم، وقفت لقمة في بلعومها، وأخرى في يد قطعت نصف المسافة إلى فمها؛ أخفضت رأسها، وانفجرت دموعها: “الحقد يقتل صاحبه، فأي شيطان يتلبّسني؟!”، قالت في خاطرها المشروخ… انتفضت وقامت، وكفّت أيادي الجميع عن الطعام! وغام وجه أبو سامي، وهو يراقب عروسه، بحزن يتصل بتاريخه الأسيان. وطلب إلى إحدى شقيقات هند، أن تجهز له الأرجيلة، التي لا يزال أبوها يحتفظ بها، ذكرى من أبيه، الذي نقلها معه، من بين أشياء قليلة، عند الهجرة من قريته في فلسطين عام 1948.

انكمش أبو سامي في زاوية المجلس، وسرح الخيال به، على نغم الكركرة، إلى أيام طفولته الأولى، في القرية التي ولد فيها. جاء هذا الصباح، لزيارة عروسه، بغير سيارته. تمنى لو أتى على ظهر حمار، ليسترجع ذكرى القرية التي كان المحظوظ فيها، هو القادر على امتلاك حمار، ينقله إلى حيث شاء. وراودته الرغبة الموجعة، أن يقضي سحابة يومه، جالساً القرفصاء، بين عجائز المخيم، المزروعات في طرقاته البائسة، لعله يستنشق العبق القديم، من نسوة، كان منهن، من لاعبته في طفولته، أو فيهن، من لا تزال تروي الحكايا عن المراتع البعيدة!

رأى نفسه، وهو يدفن طفولتَه المذعورة، من أخبار المذابح، التي ارتكبتها عصابات اليهود المسلحة، في حضن أمّه، للمرة الأخيرة، قبل أن يبدأ رحلة الهجرة والضياع… شرد في صحارى عمره، إلى أن انتبه إلى هند، وهي تجلس قبالته، خجولة، خافضة العينين: “هل تكوني أمي؟!”؛ سألها بلوعة ضياعه. امتقع وجهها بالألوان كلها، أسرّت في نفسها: “أنا أحقر مما تراني!”. ضغط على كفها براحتيه؛ تمتمت بحياء: “أرجو أن تساعدني على ذلك!”. أشرقت البهجة في عينيه. دعاها إلى رحلة حرّة. أجابت بنبرة مذنب يطلب الصفح: “هبني دقائق قليلة لإعداد نفسي!”.

تجولّا في أنحاء المخيم. كانا صامتين. بلغا نهايته المفتوحة على فضاء رملي أصفر ناعم. أمسك أبو سامي يد عروسه، وانطلقا يجريان كما لو كانا هاربين من مطاردين يطلبون رأسيهما. وقفا على ربوة رملية، يترامى، بعيداً عنها، لون أخضر، يقابل زرقة بحرية. رمى راحتيه على كتفيها. نظر إليها، بعينين شائختين، لكنهما مبتهجتان. استنشق نفساً عميقاً. قال بنبرة حكيم عاشق: “حريتنا هي امرأة نحبها! وأعترِف الآن، أنني لم أملك حريتي طوال عمري، إلا بحبك! أجل؛ أنت أول امرأة، بعد أمّي، أحبها!”.

راودها الشيطان أن تقول: “أنت كاذب، وساقط؛ ومن يحب لا يكذب ولا يخون!”. أخفضت عينيها، واستسلمت له وهو يجذبها من كفّيها، لتجلس، بعد أن سبقها بالجلوس، في ضحى مشمس، رقيق النسمات، يلفّه صمت يعزف موسيقى حب كوني رائق، ترقص الروح على ألحانها، رقصةَ جمال حريتها، وبراءتها البكر.. تابع: “أعرف أن أخطائي، هوَّة سحيقة تحيط بي من كل صوب، وأن قلبك الطاهر، لن يجتازها، نحوي، في وقت قصير. ولكن؛ من يحب، يصبر على المرارة. نفورك الداخلي مني مرير لي، ولكني أحبك! أجل؛ أحبك! الله لم يصنعني من مادة الشاطين. والحب إيمان! هل تذكرين متى أسلم عمر بن الخطاب؟! حدث ذلك، وهو في طريقه ليقتل النبي! اغفري لي! الحب، كالإيمان، يَجُبُّ ما قبله. الحب طهارة تستحيي براءة طفولتنا المبكرة. بي ظمأ محموم إلى صدر امرأة، أدفن فيه شيبي، فأنزرع فيه طفلاً صافياً،  من جديد! اسألي أباك يا هند، أنا ابن عائلة، يشهد لها الناس بالطهارة! اسألي أباك، الرجل الطاهر مثل أبي: لماذا وافق على زواجي منك، وأنا الملعون بالألسنة والعيون! سيقول لك: لأن أبي كان طاهراً؛ ولأنني أستطيع أن أعود طاهراً كما بدأت! دعيني أفتح كتابي بين يديك، واحكمي مثلما يفعل القاضي النزيه. وأعاهدك، بحب مخلص، إذا حكمت ضدي، وإذا ظللت تعتقدين أنني لست ضحية عدوان واجهته، منذ طفولتي، وأنني لن أعود طاهراً كما أول نشأتي، أعاهدك، برجولة نهضت في دمي، بحبي لك، أن احترم استخدامك لحقك في طلب الطلاق، الذي أضفته، سراً بيني وبين المأذون، وبشروطه المنصوص عليها في عقد القران، والتي لا تعرفيها أيضاً، ولا يعرفها أبوك، والتي تنازلت، وفقاً لها، ولصالحك، عن ملكية البيت الذي ستقيمين فيه، والمزرعة الملحقة به، ابتداء من اللحظة التي يقع فيها، انفصال بيننا، بإرادتي، أو بإرادتك، أو بإرادة الله…”.

كتمت هند، عاصفة اجتاحتها، مما كشف عنه أبو سامي. ونازعتها الرغبة أن تصرخ في وجهه: “كفى! أنا لست أطهر منك، وفي صدري من الحقد، ما يحرق الأرض بمائها”. تماسكت للحظات، ثم انفجرت تبكي، وألقت رأسها على صدره الذي انتفض فزعاً وشوقاً… وحنان أب لابنةٍ زوجه… وفيما كانت إشراقة جوّانية تزحف خلف تراجع نوبة الانفعال التطهّري، قالت هند، بنبرة ودودة، وهي تضغط راحة أبي سامي بقوة، بين كفيها: “أنا سعيدة بهذا اليوم الذي سأقرأ فيه كتابَ زوجي!”.

قال وهو يلفّ ذراعه حول كتفها، ويلمس وجهها بوجهه: “أعتذر إليك. أنا أجور على حق عروس، في الابتهاج بالخطبة. أرجو أن أختتم بذلك كتاب خطايا عمري!”. ردّت وشفتاها تكادان تلامس شفتيه: “لا تحرمني من بهجة أمّ باعترافات طفلها بشقاوته العبثية!”.

طأطأ رأسه، وذاب في صمت الرمال التي خالها، تصيخ السمع له أيضاً، وهو يقول: “ما هي جريمة طفل، هرب أهله من موت كان يحدق بهم، وبه، وضلّ عنهم؛ فتلقّفه الضياعُ والعراء والجوع والرعب والليل الضاري والهوان…؟!”.

طبعت قبلة على خده، وهي ترفع هامتها، وتحثه لينهض… تشابكت أياديهما، وقد خلعا أحذيتهما، وطوّحت بالخمار عن رأسها، وعقدته حول المنطقة السفلى من جذعها؛ ومضيا يمشيان بين الكثبان…

– “لا أزال أشعر بالقبلة الأخيرة التي طبعتها أمّي على خدي، وهي تحاول تهدئة روعي الذي اجتاحني، مع دفق الانفجارات، قريباً من بيتنا، التي كانت تمزق الليل والأمن، في حرب عام 1948!”.

رغبت هند، في تحويل اتجاه الحديث، بينها وبين عريسها مع الحفاظ على مواصلة الحديث عن نفسه، لتبديد أسى لاحظته في وجهه.. فقالت: “لقد حالفك الحظ، فاستكملت دراستك الجامعية؟!”.

– “كلا؛ ولكنني تعهّدت نفسي بتعليمها وبتثقيفها، وأنا شغوف بدراسة الحكمة، ومن كل منابعها! إنني أعشق الفلسفة؛ هل توافقينني لو أني اقترحت عليك، مواصلة تعليمك، بدراسة الفلسفة؟ إني أرجو أن تحققي لي رغبة لم يكن بمقدوري أن أحققها لنفسي!”.

قهقهت بفرح: “هذه غواية تجمعنا؛ ولكن جامعات غزة لا تترك لمنتسبيها فرصة للضلال في نور العقل؟!”.

لاذ بالصمت، وارتسمت ملامح ضِيق في عينيه، فتألمت هند لظنها أنه ترجم محاولتها الكلام بينهما، إلى وجهه أخرى، غير التي أرادها، بأنه عمل، قصدت منه إنهاء الحديث في موضوع لا يلقى استحسانها… ابتسمت وهي تداعب أنامله بشفتيها، وقالت: “دعنا نواصل قراءة كتابك.. تحبُّ الزوجات المهووسات بهوى الفلسفة، أن يبدأن حياتهن، بدراسة تجارب أزواجهن…”.

قال: “بينما كان أقراني، ينتظمون في صفوف دراستهم الأولية، كنت أنا، أطوف على الأبواب، أقرعها بوجل، وبتردد، فأسأل أهلها، عن شيء أدفعه إلى جوفي المحروم من خيرات الله؛ وأعرض عليهم استعدادي لتقديم ما أستطيعه من خدماتي التي يحتاجها المترفون أو الكسالى أو العجزة… كنت أنقل القمامة من البيوت التي يستهلك أهلها، نصيبهم، ونصيب الفقراء البائسين مثلي، وكنت أحمل السلال فارغة ومثقلة، عن المتسوقين من أماكن بعيدة. وكنت أحظى بالقليل من المال أو القليل مما يزيح جوعا يرزح فوق كاهل طفل عار من أهله؛ ولكني كنت أتلقّى الكثير الكثير، من السباب ومن الركل ومن البصاق أيضاً.. فأحمل ما جمعت، في قرارتي، واستسلم للنوم، بين قاربين مهملين، كنت أخالهما أمّي وأبي، كانا راسيين على بعد من شاطئ غزة، كاف لحمايتي من النوم في مرعى الموج.. واستمر شأني على ذلك، حتى عثرتُ على محفظة كان بها من المال، ما يكفي لشراء صندوق لمسح الأحذية، ودون الكرسي الذي يجلس الماسح عليه؛ فتحولت إلى مهنتي الجديدة، التي كان زبائنها، يرون أنني أحقر من الوسخ الذي أزيله عن أحذيتهم؛ وكثيراً، ما كان وجهي هدفاً لأحذية يصوبها إليه الغاضبون مما يعتبروه، أداءً لا يستحق من الثمن، غير قذفي بالحذاء، وبالسباب، والبصاق!! كنت أحمل نفسي على الصبر على الذُل؛ ولكن رغبتي في الانتقام كانت تتفاقم، وفي غفلة من وعيي… وذات مرة، وبعد أن فرغتُ من تنظيف وتلميع حذاء زبون، دسّ الرجل يده في جيب معطفه الداخلي، فلم يجد محفظة نقوده، أو هكذا ادّعى؛ فانقضّت، فجأة، وبوحشية، يداه، تعصران عنقي الهزيل، المزروع فوقه وجه بدأ خط الشوارب يرتسم فيه، وصرخ بفجور، يتهمني بأنني سرقته، بخفة يد. وجرّني إلى مركز الشرطة، الذي كان رجاله كراماً معي، في الصفع والركل واللعن والبصاق… أمضيت أسبوعاً في الحجز، انتظارا من الشرطة أن يسأل أهلي عني، ويستلمونني؛ ولكني انتهيت إلى الإفراج عني، بعد أن تأكد قائد المركز أنني غريب، منقطع عن أي قريب… كنت قد بلغت سنّ الحلم قبل فترة وجيزة، من حجزي في مركز الشرطة، وفيه، دفعتني رغبة الانتقام، لأتخيل أنّي ألوط بكل رجال المركز. وفي مرحاضها العفن، قذفت أول ماء الذكورة… وبعد خروجي، بات ضرورياً لمواصلة مهنتي، أن أترك المنطقة التي انطبع في ظنّ أهلها، وروّادها، أنني أملك خفّة يد تسرق الكحل من العين، خاصة وأن الرجل الذي اتهمني بسرقته، هو من الأعيان التي تحظى باحترام الناس له، وبتصديق ما يقوله…. وأخذتْ حرارة المراهقة ترتفع في دمي؛ ولكن، خذلني ضعف فتى لا قبيلة له، تدافع عنه، ولا قانون ينصفه، ولا أخلاق ترعى ضياعه. قمعت رغبة حادة في الانتقام، ونقلت نشاطي إلى منطقة أخرى، وكنت قد فقدت قدرة الصبر على جلوس القرفصاء، الممل والمضني، انتظر مقدم الزبائن؛ فعدت أطوف بالبيوت، أبحث عن لقمتي المغموسة بهوان الضياع، كما كنت أفعل من قبل؛ لكني أحمل هذه المرة، على ظهر مقوس، بعظام ناتئة، صندوق مسح الأحذية… كانت أصوات الأنوثة، التي تصدر من خلف الأبواب التي أطرقها، لعرض خدماتي على بيوتها، تلهب نفسي الملتاعة بين طفولة فقدت أمها، وكل ذويها، وبين فتوة تصرخ ببكارة الشهوة تحت بساطير جيش سلطان القمع الجائر… وعندما كانت النسوة، يشقُقن أبواب بيوتهن، بحذر، وبقدْر يسمح فقط، بمرور الأحذية من أياديهن الناعمة المزيّنة بالحنّاء، إلى يدي المعروقة، المحروقة باشتهاء لمْسِ جلد أنثوي؛ كنت أهوي في جحيمي، وفي ذكريات هواني وضياعي المبكر…”.

توقف عن السير والكلام معاً. وجفّ ريقه، وشردت عيناه، وتمنّى لو يفتح كثيب الرمل الذي ينتصبان فوقه، بطنَه، فيبلعهما، لتضمهما الأبدية معاً… تأملت هند معالم وجهه، فخال لها أنه امتقع بلون الموت. قال بنبرة تئنّ بوجع نفسي قديم: “أشعر أن النهاية تدنو. وأودّ لو أنّي أذوي في بحرك؛ فأغدو من الخالدين!”.

جلست، وجذبته من يده، فأقعدته في حجرها. تمنّى لو يرضع ثديها، أو يلثم فمها: “ما الفرق بين الأم والزوجة؟” سألها، وشعاع طفولي يقفز من عينيه. ابتسمت له، وهي تحيط عنقه بكفيها، برفق، فقال بعينين شردتا من جديد: “ظللت أكبت غيظي، وامنع كبريائي الجريح، من التمرد على هواني إلى أن شتمني رجل بما مس شرف أمي. فأضمرت أن انتقم منه، وأن أدوس شرفه العائلي. اقتحمت بيته، بعد أن ترصّدت خروجَه إلى عمله؛ فعندما شقّت زوجتُه الشابة، باب بيتها، لتقذف أحذيتها وأحذيته في وجهي، كالعادة، اندفعت وأنا ملتهب بحقد الانتقام، والرغبة المتفجرة، في جسدها البض الذي ينثر شبقه في الريح، والذي طالما أشقاني في الخيال. كانت ترتدي قميص نوم أحمر قصير، يشفّ عن قطعتين سوداويتن، ضيقتين، مشدودتين، فوق صدر عليه قبّتين، وبين فخذين تتلاطم الأنوثة الناضجة الصارخة على أمواجهما… بدت كما لو أنها كانت تنتظر اقتحامي عليها البيت الذي لم يكن يشاركها فيه، بعد خروج زوجها، غير قطة تضج بالتقافز والمواء… هربتْ نحو حجرة النوم المكسوة بستائر في لون السماء الصافية، والمؤثثة بفراش، لو كان لي، ما أضعت ليلي في النوم، ولكن، بالابتهاج بالنظر إليه… أنشبتُ أصابعي الخشبية في ثدييها؛ لم أكن أعرف كيف يفعل الرجل بالمرأة وهي تحته. ولكني بللت ثيابي بماء اندفق مني، وانا أعض عنقها بشراسة جمل، استنفد طاقة الصبر على الهوان! لم تقاومني؛ وعندما هممتُ بالنهوض جذبتني بعنفوان، وألقتني تحتها، ولثمتني من فمي بقسوة استنفرتْ ذكورةّ معذبة، فقلبتها تحتي، فاسترخت، وبكت، دون صوت.. قذفتُ مرة أخرى ثمّ وقفْت. تركتني أمضي دون أن تنبس ببنت شفة… وعندما عدت إليها في اليوم التالي، أدركت أنها تخون زوجها بإرادة تقاوم إحباطَها، وتقاوم فجورَ الذكورة. استمرت علاقتنا، بعد أن اكتسبتُ خبرة الجماع؛ ولكنني ظللت هدفاً للإهانة التي لم تكفّ عن توجيهها لي، كلما أفرغتُ فيها، حمولَة الشهوة وحمولَة الانتقام… ثم صارت هذه المرأة، بعد سنوات، هي الدرب المظلم الذي سلكتُه نحو خيانة الوطن، والعبث بكل قيم الحياة الجميلة! لم أكن راضياً عمّا أفعل، ولكنني عميت، ولم يضئ أحد بصيرتي، وحاصرني الناس في ظلامي، فهل يحررني حبك يا أماه من شياطيني؟ هل تغفري لي؟!”.

ضمّت رأسَه إلى صدرها، وضغطته وهو يحاول التملص من قبضتها، وقد راودته الرغبة في أن يقلبها، في الفضاء المفتوح على كل اتجاه.. وفي اللحظة التي كاد فيها أن يأسر شفتيها، دفعته عنها بدلال أنثوي، ونهضت برشاقة، وانطلقت تجري، وهو خلفها، إلى أن وقعت على وجهها، فأدارها على ظهرها، وتمدد فوقها، ولثم فمها بشهوة معتّقة، فاستسلمت له، ومادت الأرض بهما، فتسللت يده، بين وسطيها، فقالت من تحت أسرها الفميِّ: “الإشارة حمراء”.

20

في بيت سماح، كانت حليمة تجاهد لتهدئة ثورة نحيب، انفجرت في هدأة الليل، في الفراش الذي كان يضمّها وصديقتها، سماح؛ التي كان الظلام ينشقّ لها، وهي تستلقي على ظهرها، وتحملق في فزع، تذرف دموعاً تنهمر من أول عمرها، ملتهبة بالذكريات البشعة… قالت بكلمات منزوعة من دفق الأحزان: “هل يعي الطفل ما يجرى حوله، وهو لم يزل في ساعاته الأولى بعد ولادته؟!”.

أجابت حليمة، وهي تضغط رأس صديقتها، على صدرها: “أعتقد ذلك! بل، يبدأ الانطباع بما يجري حوله، خاصة مما يعنيه، منذ أول تكوينه الجنيني، حيث يبدأ بالانفتاح المنفعل منذ لحظة الجماع بين أبويه، التي تؤسس كيانه! لكن، ماذا تقصدين بسؤالك؟!”.

– “يطاردني في خيالي، شبحٌ فرغ من ذبح امرأة سوداء، في ليل دامس، لم يزل رحمُها، ينزف دم الولادة… كابوس يخنقني، الوليدة تصرخ والأم، من الهلع؛ زلزال يضرب الكون ويصدعه… حليمة! يد تقطر بالدم تمتد بساطور نحو عنقي، ويد تضغط كفها القاسية على فمي وانفي معاً!! هل تسمعينني؟! أنقذيني! قدمان ثقيلتان تضغطان بطني! الجنين يستغيث! هل تسمعي صراخه: لا تذبحوها! لا تذبحوها! حليمة!! سقف الحجرة يهوي فوقي! العمارة تميد بي، تسقط في البحر… حيتان وقروش تعصر عظامي! حليمة! أقامت قيامة الله؟! رحماك ربي! جنود الغضب يدفعون الرجال إلى جهنم… نساء تُولْوِل.. نساء تزغرد… انطفأ العالم في رأسي! هل ما زلتِ معي أيتها السوداء مثلي؟! لا تخذليني!”. ثم نامت، بعد صمت لفّها، وهي تلتصق بحليمة، وتئنّ بالأسى وترتعد!

قبل ذلك كان سامي، يزور منزل السوداوتين، أول هذه الليلة. قضى وقتاً مع سماح في الفراش. ثم دعا حليمة، من وراء الباب المغلق للانضمام إليهما. كان يستلقي على ظهره، عارياً.. دخلت حليمة، عارية كعادتها، جذبها من يدها، تمدّدت إلى جواره. نهضتْ سماح، ارتدت ملابسها، وتكوّمت على كرسي يحتل زاوية في حجرتها… وراحت تبكي بصمت…

قال سامي بنزق: “طلبتُ من سماح أن تتخلص من جنينها، رفضت! الفضيحة تزحف نحونا! ماذا أفعل؟! هل ألقي بنفسي من الشرفة إلى البحر، لتبتلعني وحوشه؟! هل أقتل سماح، فأضيف إلى جرائم هذا العالم البشع، جريمة أخرى؟! أنا مستهتر، هذا صحيح، لكنني لا أطيق قتل حشرة! ولكنها الفضيحة! إنها كارثة: ماذا سأكون له؟ أبوه، أم خاله؟!”.

زاغتْ عينا سماح، في فراغ مشوّش. اجتاحها المشهد المفزِع، الذي داهم طفولتها، وهي في التاسعة، في يوم عيد ميلادها، يوم صفعتها مديرة المدرسة، بقسوة امرأة عقيم: “ساطور يقطر الدم منه، في يد متوحشة، وامرأة مذبوحة، تضم بذراعين متصلبتين، على صدرها أسود الجلد، أبيض القلب، طفلة لها، جاءت من لدن الله، على التو!”.

رمى سامي ساعده على بطن حليمة، استدارت نحوه. قال بشبق: “تذبحني الرغبة فيك!”.

– “لن تنالني!”.

  • “تواصلين التحدي إذن أيتها الزنجية القميئة؟!”.

نهضت حليمة. تناولت بحركة هادئة، كتاباً من فوق الرفّ في حجرة سماح. فتحت صفحته الأولى. قرأت بنبرة واثقة عمّيقة: “الصحافة هي المهنة المناط بها، أن تفتح كتاب حياتنا الاجتماعية على ضياء الشمس المشرقة، الدافئة…!”.

ومن خلف الزجاج المطلّ على أفق البحر المترامي، سرحتْ في الماضي البعيد: “منذ ثلاثين جيلاً، أو أكثر، غادر جدي الأكبر، بلاده في أواسط أفريقيا، التي لا يزال أهله الأصليون فيها، يعيشون عراة، من الثياب، ومن الكذب، ومن عذاب الشهوة أيضاً! فما الذي قادك يا جدي إلى هنا؟! اشترى الأثرياء حريتك؛ ثم ارتديتَ ضلالَهم ونفاقَهم؛ غفر الله لك! لكنّنا، نحن أبناءك وأحفادك، نحفظ عنك، درسَ الحكمة الأفريقية: تلد الحقيقة عارية، فيلقفها الجهل، وتذبحها وحوش الغاب الإنسانية!”.

 أطلق سامي زفرة مغيظة، وريحاً خبيثاً، ومضى…

حضنت حليمةُ سماح، الليل كله، إلى أن بزغت الشمس من جديد. نهضتا؛ ونهضت، في الوقت ذاته، نسوة مخيم هند، اللواتي تدافَعْن في الطرقات الضيقة، ليتزاحمن، حول سيارة شحن كبيرة، تحمل أكياس الدقيق والأرز والسكر، وغير ذلك، من المواد التموينية، تربض قبالة مئذنة مسجد المخيم، التي لا تنفكّ تبتهل لله وتنتحب… في الزحام، سقطت عجوز تحت أقدام نسوة طرايا، يعْصُرن بينهن الشيخَ عبد السميع، المشرف على توزيع مساعدات أبي سامي في مخيم هند…

وفي بيت عائلة هند، اتفق أبوها، مع أبي سامي، على تنفيذ الاقتراح المتعلق بفتح دكان بقالة، يعمل فيه أبو هند، ويزوّده أبو سامي بما يحتاجه من المواد، على شرط تقاسم الأرباح، بين الجهد المبذول في العمل ورأس المال..

لم يمكث أبو سامي طويلاً، في بيت صهره. وبعد مغادرته، وصل عبد السميع، الذي كان قد فرغ من توزيع المساعدات على نساء المخيم.

أعدّت له هند، إفطاراً سريعاً، تناوله بشهية. وعندما سألته: “هل كنت عادلاً؟!”؛ رمقها بعيون تستعر، وقال في سريرته: “متى أحظى بعدل الله، فأحرث أرضك، وأسقي بئرك؟!”.

وقال وهو يهم بالخروج: “إذا اتصل بك عمّي أبو سامي، على هاتفك المحمول، فأخبريه أنني مضطر لأداء زيارة لقريب لي مريض، مما يجعلني أتخلف عن الذهاب إليه، في الموعد الذي ضربه لي صباح اليوم”.

وكان عبد السميع، قد منح، ثلاثاً من نسوة المخيم، اختارتهن حاسّته الخاصة وخبرته مع المرأة، كميات مضاعفة من مساعدات أبي سامي. واتفق مع كل منهن، وعلى انفراد، بمتابعة حالاتهن، ميدانياً…

وهند، منذ نهوضها، هذا الصباح، ترتدي ثوبها السماوي، وتتوشّح بمنديل أسود، ويعتريها انقباض قلِق… جلستْ تنتظر رجوع عريسها، وفيما أطفال بيت أبيها، يعبثون بالكسل، الذي يلفّ ضحى المخيم، كان سؤالٌ يراودها، وعينها ترفّ بإلحاح: “تُرى، ماذا يخبئ القدر لي؟!”.

وأبو سامي، من متجره، طلب من المحاسب المسئول عن تنظيم سجلاته المالية، أن يحدّد له بدّقة، المستحقَّ عليه (على أبو سامي) من الضرائب والديون…وهاتف محاميَه، وطلب منه، إعداد عقدِ بيع العمارة التي تقيم فيها سماح، لصالحها… وهاتف وزارةَ الأوقاف والشؤون الإسلامية، وطلب منها، إيفاد مندوب عنها، لاستلام المسجد المقام على الأرض المجاورة للبيت الذي ستقيم هند فيه، معه… وعاد يهاتف محاميَه، ليطلب منه، تحرير عقود بالتنازل، عن أراض يمتلكها، لصالح مؤسسات متعددة، شرط أن تنتفع بها، انتفاعاً مشتركاً؛ وحرّر صكّاً مالياً بقيمة كبيرة، لحساب مشروع مشترك، تعود أرباحه، للمستفيدين من هذه المؤسسات، ويكفي، الصكّ كذلك، لإقامة مجمع، على الأرض نفسها، يشمل مباني مدرسة ومستشفى ونادي ترفيه، ومجمع صناعات يدوية، ومركزاً لرعاية المسنين، والمعْوزين والمعاقين… ومعهداً لتعليم الفنون، ومنها، كما طلب بالتحديد، فنّ الرقص، الذي وصفه لمحاميه، بأنه فنّ صوفي… واعتذر، في محادثات هاتفية أخرى، عن تراجعه عن تنفيذ اتفاقات تجارية كان عقدها… وحرّر صكوكاً مالية متعددة، بمبالغ محددة، باستثناء صكّ مفتوح، حرّره لصالح حليمة.

منذ هذا الصباح، كان أبو سامي ينعم بسكينة الروح… وفي المسجد القريب، من بيت عائلة هند، أدّى صلاة الظهر، برفقة والد هند، وتجولّا معاً، بعد الصلاة، في طرقات المخيم… ولم يكفّ أبو سامي، عن إلقاء تحية السلام، على كل من مرّ به، كبيراً أو صغيراً، أنثى أو ذكَرا.. وكان داخله، يلقي التحيات على الدواب أيضاً… وحافظ، طول جولته، على ابتسامة تشرقُ من حنايا وجهه…

ولَجا معاً، باب بيتَ عائلة هند. نهضت العروس تستقبلهما… انحنيا معاً، يلثمان ظهرَي كفيها… انحسر الانقباض من عينيها، استضاءتا بنور البهجة…حضنها الرجلان في وقت واحد، وبكيا من غير صوت.. عاودها الانقباض، ورفّت عينُها.. شقّ صراخُ طفلة رضيعة صفحة الوجوم التي ارتدتها بيوت المخيم من حولهم!!

انطلقا، أبو سامي وعروسه، بالسيارة، في رحلة تخلّلا فيها تفاصيل قطاع غزة… وتركا، للغة العيون أن تصل بينهما… شردا طويلاً في الأفق المترامي فوق هدير يقذفه المجهول… ترجَّلا، تسلّلا من سياج يحمي بستان برتقال من ماشية الرعاة.. وفي البحر الأخضر الذي يضاجع موسيقى كونية، منظومةً في ثمار ناضجة متلهفة، تميد على صدر هند، ذوّبتْهما قبلة نهلت من ماء الخلود، وحملتهما على أجنحة من نور، لا يراها الرائي… ذكورة وأنوثة، في أريج السرمدية، تستعيد، في حرية الطبيعة وحدتها القديمة.. “ربّاه؛ ما أجملَ ما أبدعْت!”؛ قالا معاً، بالقلوب وبالعيون… انطلقا، إلى الحدّ المسوّر بالأسلاك المكهربة، التي تُسيِّج إسرائيل بها، قطاع غزة.. صرخ أبو سامي بفزع طفل ضلّ عن أهله، في ليل وحْشي قارس: “مجرمون!”.. شردا في الأفق الممتد أمامهما، المترامي وراء الحصار.. استدارا؛ فتلاقت عيونهم: أبو سامي يذرف الدموع… وهند، تبتسم بحب أمّ لطفل عاد إليها بعد ضياع…

واصلا رحلتهما بالسيارة… تسمرّا قبالة مستوطنة إسرائيلية في وسط قطاع غزة؛ الدم يغلى في عروق أبي سامي… اقترب جندي إسرائيلي منهما… صاحا معاً: ” مجرمون!”.

ومع حلول أول الليل، أنهيا رحلتهما، بزيارة لمنزل سماح، التي كانت، ومنذ الصباح، ترتدي ثوباً أبيض، يحشر، بينه، وبين قامتها النحيفة، الطويلة، جنينها، الذي لم يعد يخجل من الإعلان عن وجوده… الذي صدم أبا سامي، كما لو كان صخرة بحجم جبَل، هوَتْ فجأة على رأسه، فأودت به، إلى قاع الموت..

وفي خيال يتمزق بكل عذابات عمره، قفزت صورة سماح، وهي تحته، ذات ليلة، قبل حوالي خمسة أشهر، عندما ضاجعها، وللمرة الأولى، مضاجعة كاملة، على غير ما كان يجري بينهما، من قبل.. كانت العذابات تذبحه حينئذ، كما تفعل به الآن، عذابات تشرخ قلبَ الأب وقلبَ الابنة، بساطور دموِيٍّ واحد… في تلك الليلة ضمّته بعنف حتى كادت تطحن جسدَه الذي كان منهوكاً تحت تأثير خمور احتساها بشراهة، اعتاد الإسراف في تعاطيها، لعلّه يهرب بها من سواد تاريخه…

انهار أبو سامي… ألقت سماح جسدَها المنتفض بزلزال، فوق أبيها.. “اغْفري لي يا ابنتي!”؛ قال بعينين تتوسلانها…

صمت الكون… شقَّه نزْعٌ عميق واهٍ أخير: “سماح.. سماح.. أنا أبوك!!”.

قالت حليمة، والنحيب يأتي من صخب الموج المتلاطم وهو يضاجع شاطئ غزة: “مثواك الجنة!”.

روت حليمة، بعد الانتهاء من مراسم جنازة إبي سامي، أنّ المُتوَفي، كتب في وصيّة تركها لدى هند، أنْ لا يُكفّن جسده، بعد وفاته، وأنْ لا يوضع جثمانه في قبر تحت الأرض، ولا فوقها.. وطلب أنْ يرفع جسده، فوق صرح زجاجيٍّ عال، مفتوحا على الأفق المطلق، كان أمر ببنائه، على أعلى كثيب في قطاع غزة، لا يفصله عن البحر فاصل؛ وطلب أنْ يُبقى عليه عاريا، ممدّدا على ظهره، لا مسند تحت رأسه، وأنْ يُباعَد بين ساقيه، وأنْ تُنشر ساعداه، إلى أقصى مدى..

قالت حليمة: ” كان أبو سامي، قد حفظ عني، إنّ الموت، مثل الحبّ، طُهْرٌ وحريّة”.

أضافت: “لكنّ وصيّة أبي سامي، ظلّت، منذ استلمتها هند، في صندوق مغلق. وحين تذكّرَتها هند، قامت تفتحها، لكنّ الريح العاتي، وقدْ هبّ حولها فجأة، حملها إلى بعيد بعيد، ثمّ بددّها!”…

قالت مريم: “أمّا أنا، فقد أطعمتُ النارَ كلّ ثيابي، وانطلقتُ في أفق النُّور المفتوح، عارية، حرّة، محبّة، مبتهجة، ما بقيتُ حيّة!

غزة في: 29/4/2000

 

حسن ميّ النوراني

فلسطين – غزة

هاتف: 9412414 59 00972

بريد إلكتروني:

alnoorani@hotmail.com

hasanalnourani@gmail.com

hasanalnorani@outlook.com

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.