المنبر

مفهوم حرية المرأة بين الجدل والواقع

مقدمة

أصبح مفهوم الحرية مفهوماً غامضاً في ظل غياب المعايير والقيم التي تحدده في العصر الحالي، ففي حين اعتبرت القوانين القديمة الحرية هي ممارسة كل أنواع الحقوق دون التعدي على حق الآخرين، أصبح المفهوم اليوم يدخل في التعدي على الحق المجتمعي بذريعة حماية الحقوق الفردية، مما نتج عنه الكثير من المشاكل التي لم تقتصر على الفرد وإنما على المجتمع بأسره.

ومن تلك المفاهيم التي شابها كثير من الجدل هو مفهوم حقوق المرأة الذي يعتبر الموضوع الأكثر جدلاً في العصر الحالي نتيجة لكثرة نقاشه على مختلف المستويات، ناهيك عن تأثيراته الكبيرة ليس على مستوى واقع المرأة وحسب بل على المستوى العالمي كونه ارتبط بالاتفاقيات الدولية والسياسيات التي تتبعها الدول في العصر الحالي، ورغم الجدل الذي يثيره هذا المفهوم إلا أن له ارتباطات وثيقة بالواقع تؤثر على دور المرأة ووجودها وتفاعلها مع واقعها بالإيجاب والسلب حسب طريقة التعامل معه، ونناقش في السطور القادمة أبرز العوامل التي تشكل الجدل حول هذا المفهوم وعلاقته بالواقع.

الحرية بين المفهوم والممارسة

الحرية كمفهوم ليست حديثة وإنما هي جزء من التفكير الإنساني قديماً وحديثاً، وقد ارتبط هذا المفهوم بنقاشات كثير من الفلاسفة والمجددين الذين حاولوا أن ينظروا لهذا المفهوم بحيث يسهم في تنظيم علاقات الافراد ببعضهم البعض، وعلاقتهم بمجتمعهم والدولة والآخرين، وأمام تلك النظريات تطور هذا المفهوم واتخذ عدة أشكال وتعاريف، أبرزها التعريف الذي ظهر أبان الثورة الفرنسية 1789م، حيثُ  تم وصفَ الحريةّ بأنّها: (حقُّ الفرد في أن يفعل كلّ ما لا يضرُّ بالآخرين)، كما تم تعريف مفهومَ الحُريّة ككلمة: هي أنْ يكون الإنسانُ قادراً على فعلِ و اتّخاذ القرار الذي يُناسبه بإرادة منه دون إجبارٍ أو تأثيرٍ من طرفٍ خارجيّ -سواءً أكان القرار مادياً أو معنوياً- وعدم انقياده لأيّ فرد دونَ وعي وتفكير.

الحرية كمفهوم تُعرَّفُ بوجود إطارٍ شاملٌ وعام لا يُقيّد حرية الإنسان الشّخصية، ولا يتحكّم بها؛ بل يُنظّمها ليُحافظ على حُريّات الأفراد الآخرين؛ فلكلّ إنسان حُريّته في النطاق الذي لا يتعدّى فيه على حُريّة الآخرين؛ حيثُ إنّ الإنسان لا يعيش وحده؛ بل ضمنَ جموع كبيرة لها الحقّ في الحُريّة كذلك، ومن خلال هذا التعريف يتضح ان مفهوم الحرية هو مفهوم يحتوي على جانبين، جانب نسبي وآخر ثابت، الجانب النسبي يرتبط بالمعايير التي توضح سقف الحريات وحدودها، أما الجانب الثابت هو الذي يرتبط بمفهوم حق الآخرين الذين يتشاركون معنا حدود الحريات وجوانبها، وهذا يتطلب إدراك البعدين الاساسيين اللذان يشكلان مفهوم الحرية وهما : الحقوق والواجبات.

فكما يضمن مفهوم الحرية وجود حقوق إلزامية للفرد أياً كانت صفته وشكله، يترتب على تلك الحقوق واجبات يتوجب عليه أن يؤديها على أتمها ليتمتع بحقوقه التي يطالب بها، فالحقوق والواجبات كل منهما يرتبط بالآخر لممارسة مفهوم الحرية بشكل صائب في أي مجتمع>

حرية المرأة بين القيود والتسيب

يعتبر مفهوم حرية المرأة أحد المفاهيم التي ترتبط بمفهوم الحرية بشكل عام، غير أن الجدل الذي طاله جعل منه مفهوم شبه مستقل ترتبت عليه تغيرات كثيرة على مستوى واقع المرأة والمجتمع بشكل عام، ويعرف مفهوم حقوق المرأة بامتلاك المرأة لخياراتها الأخلاقية والإنسانية بشكل مطلق؛ حيثُ إنَّ حريُّتها هي أساسُ كونها إنساناً لا فرق بينها وبين الرجل في ذلك، ومفهوم حرية المرأة يجب أن يشمل حقوقها بشكل كامل غير مجزأ كونها إنسان وجزء من المجتمع.

وثمة من يرى أن مفهوم حرية المرأة في الوطن العربي رغم الجدل الذي شهده لازال غير فاعل في واقع المرأة، إذ أن المرأة في كثير من المجتمعات العربية لا زالت تعاني الظلم وحرمان الحقوق الأساسية بسبب تأثير العادات والتقاليد وبسبب الفهم الخاطئ للدين، وتعلق الكاتبة ياسمين يحيى: بأن المفهوم العربي لحرية المرأة لا يتعدى حدود الفهم السطحي لحرية الجسد، بينما يتم إهمال مفهوم الحرية الحقيقية التي يجب أن تتمتع بها أي امرأة كونها انسان في الأول والأخير، وترى أن اشكالية مقهوم حقوق المرأة في الوطن العربي اقتصرت على الجانب الجسدي بسبب ربطها بالجانب الأخلاقي، فينظر إلى أنه في حال تم إعطاء المرأة سقف عالي من الحريات ستفسد أخلاقياً، في حين لا يتم التعامل وفق هذا المنطق مع الرجل، وتؤكد على أنه يتوجب على أن لا يتم قصر مفهوم الحرية على الجسد بل يجب أن يتم ربطه  بمفهوم الحرية الحقيقية التي ترتبط بالحقوق الأساسية كالتعليم والصحة والمشاركة الفاعلة في المجتمع، لأنه بغير ذلك لن يتغير في واقع المرأة شيئاً.

من جانبها ترى الدكتورة نهى قاطرجي أن إشكالية حقوق المرأة كمفهوم وممارسة ارتبطت بتحديات كثيرة أبرزها كثرة اللغط حولها وابتعادها عن احتياجات الواقع، وتؤكد على أن الاهتمام المبالغ بمفهوم حقوق المرأة دون ربطه بواجباتها تجاه نفسها وتجاه واقعها والمجتمع تسبب في اختلال الموازين واختلاط الحابل بالنابل، إذ نرى العالم اليوم يتوجه بشكل مفرط لتكريس حق المرأة العاملة ويتغافل عن حقوق المرأة الأساسية كأم وكربة منزل، وكمسنة أو متقاعدة، وهذا يدلل على أن هناك قصور كبير في تناول هذا المفهوم.

وتشير قرطاجي إلى ضرورة أن يتم تناول مفهوم حقوق المرأة بشكل متوازن يوضح لها حقوقها ولا يغفل عن واجباتها، وتؤكد على أن مفهوم حقوق المرأة اليوم يستقي معاييره من نماذج لا تتفق مع هوية وتاريخ المجتمعات العربية، في حين يتوجب أن تستقي المجتمعات العربية والمسلمة نماذجها من واقعها وتجاربها، ومن ينظر إلى قصص التاريخ الإسلامي بشكل منصف سيرى أن الإسلام عمل على الحفاظ على حقوق المرأة واستقلالية كيانها دون أن يخل بواجباتها تجاه المجتمع، فهاهي عاتكة بنت زيد تحاجج عمر بن الخطاب في حقها في حضور الصلاة وهذا يقابل ما  يعرف اليوم بالمشاركة المجتمعية، وهاهي أم سليم بنت ملحان تمارس حقها في استقلال ذمتها المالية وتهدي الرسوم هدية من حر مالها، كل هذه النماذج تؤكد على أن الإسلام كدين لم يهضم المرأة حقها، بينما الممارسات الخاطئة التي تنتشر هذه الأيام تُعزى إلى سوء الفهم والتطبيق.

حرية المرأة : نظرة على الواقع

الحرية مفهوم مهم لتوازن المجتمع كونه المعيار الأساسي الذي يوضح للناس بشكل عام وللمرأة بشكل خاص ماهي الحقوق وماهي الواجبات، وفي حال تم اساءة استخدام مفهوم الحرية تعيش المجتمعات في فوضى عارمة وفساد مطلق مما يتسبب في ظهور الكثير من المشاكل المجتمعية والأخلاقية والاقتصادية كما تعيش بعض المجتمعات اليوم على مستوى عالمي.

يتم اساءة استخدام مفهوم الحرية عندما لا يكون هناك معايير واضحة توضح ماهي الحقوق وماهي الواجبات، كما يتم اساءة استخدام هذا المفهوم عندما يصبح واقعاً تفرضه الدول القوية على الضعيفة، إذ لا يتم احترام ثقافة وهوية الدول الأخرى ويفرض عليها أن تطبق حقوقاً وواجبات لا تتفق مع احتياجاتها على أرض الواقع ممتا يتسبب في حدوث مشاكل كثيرة هي في غنى عنها.

واقع مفهوم حرية المرأة اليوم يأخذ اتجاهين، الأول يأخذ شكل التطرف والشطط، ويمثل هذا الاتجاه بعض تيارات الحركات النسوية التي تطالب بالمساواة المطلقة مع الرجل، دون أن تراعي الاحتياجات الفطرية لدى المرأة، ودون أن تراعي الحقوق المجتمعية التي تترتب على تكامل الأدوار بين المرأة والرجل، بينما الاتجاه الثاني يأخذ شكل التفريط، والذي يتمثل في تطبيق قوانين أحادية تحافظ للمرأة على حقوقها بشكل مطلق دون أن تراعي دورها وواجباتها تجاه المجتمع، مما يشكل واقعاً صعباً يواجهه المجتمع والمرأة على حد سواء.

خاتمة

ينبغي التنبه إلى حقيقة أن الإفراط في الحرية يؤدي إلى الفساد والفوضى، بينما العكس التفريط في الحرية ومنعها من التطبيق في الواقع يؤدي إلى الاستبداد، وتعيش المجتمعات اليوم على مستوى عالمي تحدي حقيقي أمام مفهوم الحرية، خصوصاً بعد أن ذابت المعايير الأخلاقية والقيمية التي تحمي المجتمعات بسبب تأثير العولمة.

وأمام الشطط الذي يشهده مفهوم الحرية انتقلت العدوى إلى مفهوم حرية المرأة، فأصبح حقاً تطالب به المجتمعات والنساء على حد سواء، دون أن يتم الانطلاق من قواعد راسخة توضح المسلمات التي يتوجب أن ينطلق منها مفهوم حرية المرأة للتطبيق على أرض الواقع، ودون أن يكون هناك خطوات حقيقية تبحث وتدرس عن الاشكاليات الحقيقية التي تواجه واقع المرأة في مختلف المجتمعات، والتي بطبيعة الحال ستختلف من مجتمع لآخر، وبالبحث عنها ودراستها بشكل علمي سيتم التعرف على اسبابها وتقديم حلول حقيقية وناجعة لها، بحيث تؤتي ثمارها على ارض الواقع، وتحافظ على حقوق المرأة ودوها وواجباتها دون إفراط أو تفريط.

مراجع:

موقع موضوع

صيد الفوائد

شبكة منهاج السنة

الحوار المتمدن

 

Advertisements

Categories: المنبر

1 reply »

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.